أرشيف المقالات

رسالتي إلى مدخن

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2رسالتي إلى مدخن
 
♦ أنت مدخن؟!
♦ أين تدخن السيجارة؟
♦ في البيت؟ إذًا هو أذًى للأهل، خاصة الأطفال والزوجة.
♦ في الطريق؟ أذًى للمسلمين والمارة، إيذاء بلا عدد!
♦ مع أصحابك؟ مأساة هي ستتسبب في مشاكل متعددة إذا كنتم جميعًا تدخنون، فكن متأكدًا أن هذه صحبة سيئة، وهذا هو الجليس السوء الذي شبَّهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنافخ الكير، وهذا تعاون واجتماع على الإثم، وإن كان معكم غير مدخنين، أو كنتم في مقهى أو مطعم، أو مكان عام، فهذا إثم وعدوان معًا، لحظة من فضلك، إن أي معصية هي عدوان، وتعدٍّ على شرع الله.
 
وإذا لم تكونوا جميعًا مدخنين، فبخلاف الأذى الذي ستُسببه لرُفقائك غير المدخنين، فقد تسبَّبت في تعريضهم للحساب إذا لم يُنكروا المنكر، واجبهم أن ينصحوك، وإذا أصررتَ لم يحلُ لهم البقاء في مكان يُرتَكَبُ فيه المنكر إلا اضطرارًا، أصحابك الذين تحبهم وتعزهم، ستكون سببًا في أن يتعرضوا للسؤال والحساب، وربما العقاب، وربما تكون العقوبة معجلة تعمُّكم جميعًا: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقابٍ منه))؛ رواه الترمذي، وأبو داود، وصحَّحه الألباني.
 
تستطيع أن تقول: إن السجائر من الطيبات؟ لا أعتقد عاقلًا يقول هذا، والله عز وجل حرَّم علينا الخبائث فقال: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157].
 
لاحظ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا اللاعنَين))، قالوا: وما اللاعنَان؟ قال: ((الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلِّهم))؛ رواه مسلم، يتخلى: أي يَقضي حاجته.
 
لماذا استحقوا اللعنة؟ لأنهم يؤذون الناس والمارة بهذه النجاسة، وما ينبعث منها من الرائحة الكريهة، فكانوا عُرضة للعن الناس وذمِّهم.
 
حسنًا الرائحة المنبعثة من السجائر هل هي كريهة؟ نعم عند بعض الناس كريهة، والمدخن قد لا يراها كذلك، وغيره أيضًا قد تُعجبه رائحتها، لكن في الغالب هي مكروهة عند الكثيرين.
 
وقد يلعنك شخص مرَّ أمامك فنفثَت دُخَانك في وجهه دون قصدٍ، قد يلعنك البعض عند تدخينك في الزحام، قد يلعنك مصاب بالأزمة تسبَّبت في إثارة أنفاسه وسعاله وآلَمْتَه، قد يلعنك شخصٌ في مركبة عامة حين ألقيتَ سيجارتك قبل أن تركب، لكن الرائحة علِقت بك وبملابسك.
 
السجائر كريهة عندما تعلَق بالملابس، وكريهة رائحة الفم والأنفاس لدى المدخن، غالب الزوجات ينفرنَ منها.
 
التدخين سببٌ لبعض الخلافات الزوجية، والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالنساء، فقال: ((استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، عوان: أي: أسيرات.
 
قد تبغض المرأة زوجَها بسبب رائحة السجائر، والشيشة وهذه القاذورات، لكنها تتحمل لتحافظ على بيتها وتحفَظ أولادها، وقد تطالبك بالابتعاد عنها، أو عن الأطفال، أو عن البيت كله عند رغبتك في تدخين سيجارة.
 
أيسرُّك يا تُرى أن تكون منبوذًا ممن لو أكرمتَها لأحبَّتك ربما أكثر من محبة أمِّك لك؟! أيسرك أن تتخفى عن أولادك حتى لا يَقتدوا بك؟ وهل يسرك أن تعلم ابنتك بحكم الدخان، ثم لا تغدو بك معجبة؟!
 
ظني بك الآن أنك نأيتَ بسيجارتك بعيدًا، ذنب واحد يكفي، لن تجمع عليه إيذاءً للمسلمين!
ولكن في خَلوتك تلك، ووَحدتك الكئيبة، وقد نجوت من المجاهرة، أنت الآن أقرب إلى المعافاة: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين))، لكن ألم تمرَّ عليك الوصية النبوية البليغة: ((أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحييَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحيي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ))؛ رواه أحمد وغيره، وصحَّحه الألباني؟!
 
استحي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح، استحي ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك.
استحي ولا تلعب بنعمة الله، أعطاك الصحة، الفم، النفس الهواء، الشهيق الزفير، الحياة، البدن الثياب، اللعاب، العضلات التي تزم بحركتها شفتيك على هذه اللفافة، أتلوث كلَّ ذلك؟!
 
لو شاء الله القدير، لسلَبك، لابتلاك بالشلل، لابتلاك بالسعال الديكي، لابتلاك باضطراب التنفس، لسد مجرى الهواء وأماتَك.
لو شاء لأنهى حياتك قبل أن تستغفر، قبل أن تؤدي شكر هذه النعم الغالية، أيرزقك العقل والقوة والفتوة والصحة لتعمل وتجلب المال، ثم تُهدره فيما لا ينفعك؟! أحقُّ به مسكين يتضوَّر جوعًا، أحق به زوجك وأبناؤك، أحق به والداك، أحق به نفسك، أحق به رفاهية مما أحل الله تُمتِّع بها نفسك حينًا فحينًا، وتُنَشِّط بها نفسك لعبادته جل في علاه.
 
هل كبرت الموضوع؟ وهل ضخمت المسألة وهي مجرد سيجارة؟!
لو حسرتَ الذنوب التي تجرُّها عليك، وانزويتَ بها في ركن قَصِيٍّ بعيدًا عن الآخرين اتقاءً للإيذاء، ناسيًا نفسك وجوارحك التي ستشهد عليك إن لم تَصُنْها وتُكرمها، ونقلتها من كبيرة لصغيرة، وإذا افترضنا أنها صغيرة، فمن أدراك، فإن الصغائر إذا اجتمعنَ على المرء أهلكْنَه، فـ:
لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً *** إن الجبال من الحصى
وقال بعض العلماء: الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة.
 
يا رجال الإسلام، كونوا عقلاءَ، أقوياءَ العزم، يعصف حبُّ الله في قلوبكم بكل شهوة مُضرة، وبكل تعلُّق ممرض، وبكل اعتقاد مريض، تحرَّر من سجنك، كل معصية هي سجن خانق يحاصر إيمانك ويَضطره إلى الذبول، كل معصية هي سُمٌّ مهما خففتَها وأخفيتَها، فلا بد أن تبعدك عن مولاك، ما لم تتداركك رحمةُ الله، فتتوب.
 
فُكَّ الأسر، تحرَّر من رِق الهوى، وأطلِق قيد نفسك، وانطلق بعيدًا عن أغلال العصيان، ونقِّ قلبك ودمَك من سموم الإدمان.
 
إن الطيبات فسيحة مترامية، فلماذا تنغلق في قمقم الخبائث، فتُفسد روحَك وهواءك ومزاجك، إن السيجارة لن تسعدك، ولن تطفئ همومك، وإنما هي أطياف الوهم والتلذذ بالمحرمات، ستذوق عاقبتها خسرانًا في دينك، وصحتك، ومالك، وأهلك.
 
لا تُخيِّب ظنَّ مُحبيك الذين يحبون لك الخير، من والد أو والدة، أو أخ أو أخت، أو زوجة أو ذرية، أو صديق صدوق يناصحك.
لا تُخيب ظنَّ نفسك بنفسك يوم العرض الأكبر، فلا تجعل غبنك كبيرًا يوم القيامة.
فاللهم العفو والعافية؛ عافية الدين، والدنيا، والبدن، والآخرة، يا رب.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣