أرشيف المقالات

قصائد تكريم مطران في الميزان

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 للأستاذ علي متولي صلاح كان وفاء كريما من أدباء العربية وعلية رجالها، وكان دينا استحق الوفاء والأداء لصاحبه منذ زمن سحيق، وكان تكريما أدنى ما ينبغي أن يكون، وأقل ما ينبغي أن يقدم لشيخ الشعراء وأستاذهم وإمامهم ورائدهم خليل مطران. نعم.

كان هذا التكريم - على روعته وجلاله - بعض ما ينبغي لهذا الشيخ الوقور جزاء وفاقا لما قدم للشعر العربي من جهد كبير متواصل، ولما قدم لشعراء العرب من مناهج وطرائق وراد لهم من مجاهل كانت محجبة مستخفية مطوبة، إلى أن تكشفت لعبقريته، وتفتحت لوحيه، وأشرقت على يديه.
ولقد عرف الناس ما كان في هذه الاحتفالات التي تتالت وتعاقبت أياما ثلاثة، وقرءوا كل ما فيها من خطب وما أنشد فيها من شعر، وشاهدوا حشود الناس تسعى من مصر وشقيقاتها إلى الاحتفال في نهضة كريمة ووفاء شديد، في زمن عز فيه الوفاء وغاض ماء الخير. ولقد كان موكباً أدبياً فذاً متفرداً، تكلم فيه الأدباء الكبار والشعراء الكبار، وترجموا الرجل وآثاره ترجمة وافية مستفيضة وفصلوا القول فيه وفي فنون أدبه تفصلا، ودرسوا آثاره جميعاً دراسة لا زيادة لمستزيد عليها، فكان سجلا أدبيا وكان سفرا أدبيا رائعا حقا.
ونحن نجد أن من تمام هذا السجل ومن كمال هذا السفر أن يقول النقد الأدبي فيه كلمته، وأن يزن الميزان الأدبي محتوياته بميزانه العادل الدقيق، فذلك أدنى إلى أن يبلغ هذا السفر غايته، ويستوفى كماله! ونحن - من جانبنا وعلى سوانا أن ينهض بالباقي! - آخذون في كلمات متتابعة في وزن وعرض الشعر الذي قيل، ووضعه في ميزان النقد الذي يعلم الله براءته من الهوى، وخلوصه من الغرض، وبعده عن الميل أو الانحراف عن الحق.
ولقد أنشد في هذه الاحتفالات فحول من شعراء العرب في مصر والعراق ولبنان هم أعينان الشعر وأعلام الأدب في بلادهم، وإن خليل مطران لقمين بأن يقول فيه هؤلاء، عسى بتمداحهم والإطراء منهم.
وكان أول هؤلاء الشعراء الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد فألقى قصيدته مثلثة القافية - وهو نوع كان العقاد يكثر منه أيام صدر شبابه الأول - قاربت الخمسين بيتا تضمنت وصف الأستاذ المحتفل به وصفا دقيقا شاملا محيطا ألم فيه بجميع خصائصه وجميع سماته، بل وجميع قسماته، لم يترك دقيقة من دقائقه، ولم يدع خلجة من خلجات نفسه، ولا همسة من همسات قلبه، ولا خطرة من خطرات فؤاده.

وتلك الإحاطة الشاملة، والإفاضة الكاملة هي مزية العقاد الكبرى في كل ما يكتب وما يتناول وما يصف. ولقد زخرت قصيدة العقاد - كالعهد به دائما - بالمعاني البكر المستحدثة التي يزخر بها كل ما ينشئ ويكتب ويفيض بها كل ما يخرج للناس! ولعلي لا أجد من لا يرى الجمال غاية الجمال، والمعنى البكر غاية البكورة - إن جازت هذه العبارة! - في قول العقاد عن مطران إنه (محراب القريض)! وفي قوله معدد سجاياه الكريمة: ماذا أعدد من سجا - ياك الحان وهن شتى أدباً وعرفاناً وآلا - ء محبة وسمتا وإذا أطلت فغاية الإ - طراء أنك أنت أنتا وأي طرافة وجدة واستحداث أبعد من قوله: أنطقت بالعربية ال - فصحى معاجم شكسبير ونقلتم نقل الأما - نة في الكبير وفي الصغير بدلت في لغة اللسا - ن.
.
ولم تبدل في الضمير! ولم ينس العقاد أن يعرض في قصيدته لما خدم مطران به التمثل والاقتصاد، ولما سبق به من التجديد والتحرر من ربقة القديم تحررا لطيفا لينا ليس بينه وبين تجديده كمال الانقطاع وتمام الانفصال، ولكنه تجديد وئيد رفيق هين يأخذ من القديم أبهاه ومن الجديد أزهاه، ويرتشف من كل بحر قطرة، ويقطف من كل بستان زهرة، فيستوي للناس بعد ذلك أدبا مشرقا رائعا يملك عليهم ألبابهم وهواهم وعقولهم.

نعم فإن مطران كان ذلك المجدد، وإنه بحق للحلقة المفقودة بل الحلقة المنشودة بين المجددين! (للكلام بقية) علي متولي صلاح

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣