أرشيف المقالات

مراجعات في الفلسفة:

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 نظرية المعرفة عند شوبنهور للأستاذ عبد الكريم الناصري - 2 - وللذهن وظيفة واحدة، وهي معرفة (العلية).
ولكن العلية تفترض الزمان والمكان مقدماً، وتفترضهما متلازمين متحدين.
إذ ليست العلية مجرد توال للأشياء في الزمان، وإنما هي هذا التوالي بالإشارة إلى موضع من المكان؛ ولا هي مجرد وجود الأشياء في المكان، وإنما هي هذا الوجود بالإشارة إلى لحظات الزمان.
إن العلية هي (حاصل ضرب المكان في الزمان) وبهذه الوظيفة الواحدة، أعني معرفة العلة من المعلول، والمعلول من العلة، يدرك الذهن العالم الواقعي.
والمعلول هنا هو تأثرت (الموضع المباشر) أي الجسم الحيوان، ومهمة الذهن أن يحيل هذه التأثرات - التي نعطاها مباشرة - إلى عللها الخارجية، وبذلك يتم إدراك هذه العلل كموضوعات ممتدة في المكان.
وليست الإحالة المذكورة عملية تجريدية تصورية، وإنما هي فعل مباشر، فوري، ضروري، ولولا الذهن ووظيفته، لما أمكن الإنسان والحيوان أن يدركا العالم المادي القائم في المكان، والمتغير في الزمان، والمترابط برباط العليه، بل لكانا يشعران شعورا (نباتياً) غامضا بتغيرات البدن، وأحاسيسه المتوالية، دون أن يكون لمثل هذا التوالي دلالة مفهومة؛ وإنما تكتسب التغيرات المتعاقبة في (الزمان) معناها وترجع الأحاسيس مدركات حسية، ممتدة في (المكان) بفضل الذهن، حين ينتقل من الإحساس إلى علته، أي الموضوع الخارجي ومن هنا فالعلم المادي (لا يوجد إلا بالنسبة إلى الذهن، وبواسطة الذهن، وفي الذهن). وتتدرج معرفة العلية من أبسط أشكالها، وهو الإدراك الحسي، أو معرفة الصلة العلية بين الموضوع المباشر والموضوعات غير المباشرة المؤثرة فيه، حتى أغلب درجات الروابط العلية القائمة بين الموضوعات غير المباشرة، وينتظم ذلك استكشاف القوانين الطبيعية؛ فإن هذا كله من عمل الذهن والعيان، وليس من عمل العقل والتصور، وما المجردات في الواقع إلا انعكاسات باهته لعالم الحس والعيان. ولكن إذا كان الإدراك يحصل عن طريق معرفة العلية، فليس معنى ذلك، فيما يرى شوبنهاور، أن صلة الذات بالموضوع صلة علة بمعلول، لأن هذه الصلة لا تقوم إلا بين الموضوع المباشر والموضوعات غير المباشرة أي بين (الموضوعات) وحدها - وليست تعدو الموضوعات إلى الذات.
ومن ثم لا يجوز لنا أن نعتبر الموضوع معلولا للذات، ولا الذات معلولة للموضوع.
إن العلية هي شرط إمكان وجود (الموضوع) وصورته العامة ولكن الموضوع يفترض الذات مقدما أو ضمناً، إذ لا موضع بغير ذات تدركه، فإذا كان ثمت موضوع، فهناك بالضرورة ذات.
ويعكس ذلك يقال، إن الذات تتضمن وجود الموضوع فلا ذات بغير موضوع، ولا عارف بغير معروف.
وبذلك يكون ازدواج الذات والموضوع أعم صورة لعالم (الفكرة).
أنه أعم من الزمان والمكان والعلية.
لأن كل هذه الصور تتضمن النسبة إلى الذات.
لا شئ في هذا العالم إلا وهو - أولا وقبل كل اعتبار - موضوع بالنسبة إلى الذات، أو هو (فكرة).
ومن هنا فليس للعالم المحسوس واقعية (متعالية) أو مطلقة، ولكن هذا لا ينفي واقعيته (التجريبي)، أو النسبية.
ولكل كان مدرك أن يقول: (إن العالم فكرتي)، وإن كان الإنسان وحده قادرا على تصور هذه الحقيقة في وعيه المروي المجرد.
(وهو إن يفعل ذلك حقا) كما يقول شوبنهاور في أول أثره الرئيسي، (يكون قد بلغ الحكمة الفلسفية.
وعندئذ يتضح له ويتيقن عنده أن ما يعرفه ليس شمسا ولا أرضاً، وإنما هو عين ترى شمساً ويد تحس أرضاً، وأن العالم الذي يحيط به لا يوجد إلا بالنسبة إلى شئ آخر، هو الوعي.).
وإذا كان ههنا حقيقة يمكن أن تقرر مقدما أو (قبليا) - أي قبل كل تجربة - فهي هذه الحقيقة، لأنها (تعبر عن أعم صورة لكل تجربة ممكنة ومتصورة صورة هي أعم في الزمان، والمكان، والعلية، لأن هذه الصور جميعا تفترضها مقدما.

.
إن ازدواج الموضوع، والذات هو الصورة المشتركة بين جميع أصناف الفكرات، هو الصورة التي بمقتضاها وحدها يمكن أن تقوم أو تتصور أية فكرة، أياما كان نوعها، مجردة أو عيانية، خالصة أو تجريبية.
ما من حقيقة إذن أكثر يقينا، وأكثر استقلالا عن سائر الحقائق، وأقل حاجة إلى الدليل من هذه الحقيقة، وهي أن كل ما يوجد بالنسبة إلى المعرفة، وبالتالي هذا العالم كله، فإنما هو موضوع بالنسبة إلى الذات، إدراك مدرك، وبالإيجاز فكرة). الذات والموضوع إذن هما قطبا عالم الفكرة، وشطراه الضروريان.
والذات هي (ذلك الذي يعرف كل شئ، وليس يعرفه شئ)، وهي لذلك حاملة الظواهر، وشرط كل ما يعرف أو يمكن أن يعرف شرط العالم كله، باعتباره فكرة.
وكل منا هو هذا الحامل للعالم الظاهر، بجباله وأنهاره، ونجومه وأفلاكه؛ كل منا ذات، ولكن من حيث هو يعرف، لا من حيث هو معروف، أو موضوع معرفة.
ذلك أننا لسنا محض عقول خالصة، وإنما نحن أبدان أيضا.
والبدن موضوع بين الموضوعات، وخاضع لشروط وجودها (المكان والزمان والعلية)؛ وبما أن الزمان والمكان هما شرطا الكثرة أو التعدد، فأبداننا تتعدد؛ ولكن الذات لا تخضع لهذين الشرطين، لأنهما يتعلقان بالموضوعات أو المعروفات فقط ولكن يفترضان الذات العارفة مقدما؛ ولذا فالذات لا تتعدد؛ ولكنها ليست بعد واحدة؛ (إنما هي حاضرة - كاملة لا غير منقسمة - في كل كائن مدرك.
ولذا فأي كائن مدرك خليق بأن يكون، مع الموضوع، عالم الفكرة كله، كأتم ما تكونه الملايين القائمة؛ ولكن لو اختفى هذا الكائن الواحد، إذن لاختفى العالم كله، بما هو فكرة) هذان الشطران إذن مقترنان، متضايفان، لا سبيل إلى فصل أحدهما عن الآخر كل منهما يحد صاحبه مباشرة، فحيث يبدأ الموضوع تنتهي الذات. ومن الممكن اعتبار الزمان والمكان والعلية، التي تستقر في وعينا قبليا، وتكون الشكول العامة للعالم الموضوعي، الحد المشترك الذي تلتقي فيه الذات والموضوع.
ولذلك نستطيع أن نكتشف هذه المبادئ إما من الموضوع (أو بعدياً) وإما من الذات (أو قبلياً).
وقد جعل شوبنهاور مبدأ السبب الكافي - كما سبق القول - التعبير العام عن جميع معارفنا القبلية الخاصة.
وبمقتضاه تسود الضرورة السببية جميع أنواع الفكر أو الموضوعات.
فما من موضوع إلا وهو معين من جهة معين من جهة أخرى.
فلا شئ مستقل، لا شئ حر، لا شئ مطلق، بل كل شئ نسبي، قائم بغيره، مفتقر إلى غيره، موجود لأن غيره موجود.
إن عالم الظواهر خاضع لقوانين ضرورية صارمة، وكل هذه القوانين ترجع في النهاية إلى مبدأ السبب الكافي. وقد شرح شوبنهاور هذا المبدأ، بأشكاله الأربعة، في رسالته الموسومة (بالجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي، وهي أطروحته للدكتوراه، ومجمل القول فيه أن هناك أربعة أصناف من الموضوعات وهي (المدركات الحسية) و (التصورات) و (العيانات الخالصة) و (المشيئات).
وكل من هذه الأصناف خاضع لشكل من أشكال المبدأ المذكور، الذي يقوم طبيعة الموضوعات بما هي موضوعات، أي تمثلات بالنسبة إلى الذات.
فالصنف الأول يسوده مبدأ الصيرورة والثاني يسوده مبدأ المعرفة والثالث يسوده مبدأ الوجود والرابع يسوده مبدأ الفعل (البقية في العدد القادم) عبد الكريم الناصري

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير