عنوان الفتوى : هل رسم المصحف توقيفي أم باجتهاد الصحابة؟

مدة قراءة السؤال : دقيقتان

السؤال

مما يُتداول على وسائل التواصل اليوم رسائل تفسّر الكتابة الإملائية المختلفة عن القواعد المشهورة في الإملاء لبعض الآيات، وقد قرأت عدة منها، ووجدت فيها ابتذالًا وخطأ واضحًا لو رجعنا للمصحف، فمثلًا تفسير حذف ألف واو الجماعة في "باءو"، "جاءو"، "عتو"، بأنها في سياقات عدم استقامة، أو تفسير كتابة "رحمت"، و"رحمة" بأنها في سياق رحمة منقبضة ورحمة منبسطة، وبعد الرجوع للمصحف وجدت عدة شواهد تنقض هذه القواعد بالكلية.
قرأت مقولة لأحد السلف تقول: إن رسم القرآن معجزة من رب العالمين، ولا يفهم مغزاه الناس إلا من يهديه الله لحكمة رسمه، هكذا، لكن أليس القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقنه تلقينًا للصحابة -رضوان الله عليهم-؟ ألم يكتب الصحابة القرآن بما تعارفوا إليه من القواعد الإملائية في قريش (وهذا لا يعني وجوب الالتزام بما اجتمع عليه)؟ ألم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أميًّا، فكيف يقول لهم: "امسحوا الألف بعد جاءو"؟ ولماذا لم تنقل لنا نصوص بذلك؟ ولو كان منزلًا هكذا بهذا الرسم، فكيف أضافوا له النقاط والحركات بعد ذلك؟ فالقرآن الكريم حفظ في الصدور، ونُقِل مشافهة، وكُتِب وجُمِع لهدف حفظه، وهو ليس كالتوراة، بل هو منزل لفظًا وخطًّا.
كوننا اجتمعنا على رسم محدد -ولله الحمد- أمر حسن، ولكن من أين لنا أنه أنزل هكذا، وأنه معجز في رسمه؟ وهل في ذلك أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

مدة قراءة الإجابة : 6 دقائق

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن الصحيح هو أن رسم المصحف كان باجتهاد من الصحابة -رضي الله عنهم-، وليس توقيفيًّا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن اختلاف الرسم في المصحف هو من باب تنويع الكتابة.

وقد ذهب بعضهم إلى أن رسم المصحف توقيفي معجز، وأن له أسرارًا خاصة، وأن كل اختلاف في الرسم له علة ومغزى خاص، لكنه قول لا يخلو من تكلف، ولا حجة تدل عليه، قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه: مباحث في علوم القرآن: لقد بلغ الغلو ببعضهم أشده حين زعموا أن هذا الرسم القرآني توقيفي، وضع منهاجه النبي الكريم نفسه -صلوات الله عليه-.

ومن المتحمسين لهذا الرأي ابن المبارك الذي نقل في كتابه: "الإبريز" عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: "ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها؛ لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سر من الأسرار التي خصّ الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه أيضًا معجز! بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور، فإن لها أسرارًا عظيمة.

وعلى هذا الأساس، لم يجد الزرقاني في "مناهله" بأسًا في أن يعد من مزايا الرسم العثماني "دلالته" على معنى خفي دقيق، كزيادة -الياء- في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد}؛ إذ كتبت هكذا "بأييد"؛ وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى".

ولا ريب أن هذا غلو في تقديس الرسم العثماني، وتكلّف في الفهم ما بعده تكلّف، فليس من المنطق في شيء أن يكون أمر الرسم توقيفيًّا، ولا أن يكون له من الأسرار ما لفواتح السور، فما صحّ في هذا التوقيف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مجال لمقارنة هذا بالحروف المقطعة التي تواترت قرآنيتها في أوائل السور، وإنما اصطلح الكتبة على هذا اصطلاحًا في زمن عثمان، ووافقهم الخليفة على هذا الاصطلاح.

واحترام الرسم العثماني، واستحسان التزامه أمر يختلف اختلافًا جوهريًا عن القول بالتوقيف فيه, فقد تضافرت آراء العلماء على ضرورة التزام هذا الرسم، ولكن أحدًا من هؤلاء الأئمة لم يقل: إن هذا الرسم توقيفي، ولا سر أزلي، وإنما رأوا في التزامه ضربًا من اتحاد الكلمة، واعتصام الأمة بشعار واحد، واصطلاح واحد.

على أن من العلماء من لم يكتف بإباحة مخالفة الرسم العثماني، بل صرح فوق ذلك بأنه اصطلاحي، ولا يعقل أن يكون توقيفيًّا. وفي طليعة هؤلاء القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه: "الانتصار"، فهو يقول: "وأما الكتابة: فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئًا؛ إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسمًا بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه؛ إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نصّ السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلّت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجهًا معينًا، ولا نهى أحدًا عن كتابته؛ ولذلك اختلفت خطوط المصاحف".

وإن رأي القاضي أبي بكر هذا لجدير أن يؤخذ به, وحجته ظاهرة، ونظره بعيد، فهو لم يخلط بين عاطفة الإجلال للسلف، وبين التماس البرهان على قضية دينية تتعلق برسم كتاب الله .اهـ. باختصار.

وقال الدكتور مساعد الطيار في كتابه: المحرر في علوم القرآن: الصحابة لم يخترعوا رسمًا معينًا قصدوا به كتابة القرآن الكريم، بل كتبوه على حسب ما تعلموه من معلّميهم، ولا يصحّ ما قيل: إنه بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا المذهب من الضعف بمكان؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وتلك صفة فيه مستمرة، لم يصح خبر أنه تحول عنها.

وقد ذهب قوم إلى أن الرسم معجز، وله سر لا يعلمه إلا الله، وهذا القول لا يدل عليه دليل صحيح، وقد ذهب إلى هذا أبو العباس أحمد بن البناء المراكشي (ت721هـ) في كتابه: «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل».

والذي أوقع أصحاب هذا المذهب، ومذهب من يتطلب العلل للرسم، هو ادعاء اطراد العلل؛ وذلك ما لا يوجد في الرسم العثماني؛ لأنهم كتبوه على معهودهم في الرسم، ولم يخترعوا رسمًا خاصًّا، فيقال بطلب العلل لذلك. اهـ.

ويمكنك الرجوع للاستزادة إلى بحث: "إعجاز الرسم القرآني بين المثبتين والنافين" منشور ضمن مجلة الدراسات القرآنية، العدد (10).

وراجعي لمزيد الفائدة، الفتوى: 400525.

والله أعلم.

أسئلة متعلقة أخري
العلة في حذف الألف الأخيرة من لفظ الجلالة وحكم إثباتها في الأوراق الرسمية
التصحيف في القرآن بين الكفر وعدمه
حكم كتابة :(إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِي) بالياء
كتابة همزة القطع والوصل في القرآن الكريم
كيفية كتابة كلمات: تفضحون، تغن، الجوار، من ما
كتابة (اعلموا) بهمزة القطع مخالف لضبط رسم المصحف
كتابة (السيئات) في المصحف دون همزة (السيات)
العلة في حذف الألف الأخيرة من لفظ الجلالة وحكم إثباتها في الأوراق الرسمية
التصحيف في القرآن بين الكفر وعدمه
حكم كتابة :(إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِي) بالياء
كتابة همزة القطع والوصل في القرآن الكريم
كيفية كتابة كلمات: تفضحون، تغن، الجوار، من ما
كتابة (اعلموا) بهمزة القطع مخالف لضبط رسم المصحف
كتابة (السيئات) في المصحف دون همزة (السيات)