عنوان الفتوى : الرد على من يقول لا حاجة لكتب الفقه والتفسير والشروح لأنها تبعدنا عن الأصل !

مدة قراءة السؤال : دقيقة واحدة

هل يصح القول بأن الكتب المؤلفة في الفقه والتفسير والسنة مبعدة عن الأصل ويجب علينا الاكتفاء بالكتاب والسنة فقط ؛ لأنهما واضحان ولا يحتاجان إلي شرح وتبيين ؟

مدة قراءة الإجابة : 8 دقائق

الحمد لله

القول بأنه لا حاجة للمؤلفات في الفقه والتفسير وشرح السنة؛ لأنها مبعدة عن الأصل وأنه يمكن فهم الكتاب والسنة بدونها: قول لا يصدر عن أحد شم رائحة العلم!

فكيف يُفهم القرآن دون الوقوف على آثار الصحابة والتابعين، ومعرفة وجوه القراءات، ووجوه اللغة، وقواعد الاستنباط، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول؟!

وهذا ما تشتمل عليه كتب التفسير.

وكيف تفهم السنة دون جمعها، ومعرفة معانيها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وتخصيص عامها، وتقييد مطلقها، ومعرفة ناسخها من منسوخها ، ومعرفة لغاتها ، وضبطها ، وغريب ألفاظها ؟!

وهل يتأتى ذلك إلا لأهل العلم الراسخين، المتمكنين في علوم الآلة: من اللغة، والأصول والمصطلح؟!

وأما كتب الفقه: فوا عجبا لمن زعم أنه سيأخذ الأحكام بنفسه من القرآن والسنة!

وهل هذا إلا للمجتهد!

وهل يصل إلى الاجتهاد أحد دون الرجوع للمؤلفات في سائر العلوم التي ذكرنا؟

وهل لا يحتاج الناس إلى مؤلفات في العقيدة، توضح لهم الأصول، وتعينهم على الفهم، وتدفع عنهم الشبهات؟!

إن هذه الدعوى بالغة من السقوط مبلغا لا تحتاج معه إلى كثير رد، ولا تصدر إلا عن جاهل بالعلم، وحقيقته ، وطريق تحصيله ، جاهل بأقدار العلماء.

فالنصيحة ألا تصغي لمثل هذا الكلام، وأن تحذر منه ، وتجانب أهله؛ فإن هذه الدعوى ما جرى خلفها أحد إلا ضل، فأنكر السنة، أو كفر المسلمين، أو استباح المحرمات، وزعم أنه يفهم الوحي كما فهمه الصحابة والتابعون والأئمة، وهو أجهل من حمار أهله، أعجمي القلب واللسان، لو قرئت عليه السور القصار، ما عرف معاني أكثرها، ولو تليت عليه الأحاديث لطلب القواميس، وهل القواميس إلا من المؤلفات!

وإليك كلمة نافعة للشيخ ابن عثيمين رحمه في تحصيل العلم.

سئل رحمه الله: " أرجو من فضيلتكم حفظكم الله تعالى - توضيح المنهج الصحيح في طلب العلم في مختلف العلوم الشرعية جزاكم الله خيرًا وغفر لكم؟

فأجاب بقوله: العلوم الشرعية على أصناف منها:

1- علم التفسير: فينبغي لطالب العلم أن يقرن التفسير بحفظ كتاب الله عز وجل ، اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم ، حيث لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها ، وما فيها من العلم والعمل، ولأجل أن يرتبط معنى القرآن الكريم بحفظ ألفاظه ، فيكون الإنسان ممن تلاه حق تلاوته لا سيما إذا طبقه.

2- علم السنة: فيبدأ بما هو أصح، وأصح ما في السنة ما اتفق عليه البخاري ومسلم.

لكن طلب السنة ينقسم إلى قسمين:

قسم يريد الإنسان معرفة الأحكام الشرعية ، سواء في علم العقائد والتوحيد أو في علم الأحكام العملية، وهذا ينبغي أن يُركز على الكتب المؤلفة في هذا ؛ فيحفظها ، كبلوغ المرام، وعمدة الأحكام، وكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، كتاب التوحيد، وما أشبه ذلك. وتبقى الأمهات للمراجعة والقراءة، فهناك حفظ ، وهناك قراءة ؛ يقرأ الأمهات ويكثر من النظر فيها؛ لأن في ذلك فائدتين:

الأولى: الرجوع إلى الأصول.

الثانية: تكرار أسماء الرجال على ذهنه، فإنه إذا تكررت أسماء الرجال ، لا يكاد يمر به رجل مثلا من رجال البخاري في أي سند كان ، إلا عرف أنه من رجال البخاري ، فيستفيد هذه الفائدة الحديثية.

3- علم العقائد: كتبه كثيرة وأرى أن قراءتها في هذا الوقت تستغرق وقتًا كثيرًا والفائدة موجودة في الزبد التي كتبها مثل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله والعلامة ابن القيم، وعلماء نجد مثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومن بعده من العلماء.

4- علم الفقه: ولا شك أن الإنسان ينبغي له أن يُركز على مذهب معين ، يحفظه ، ويحفظ أصوله وقواعده .

لكن لا يعني ذلك أن نلتزم التزامًا بما قاله الإمام في هذا المذهب ، كما يلتزم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يبني الفقه على هذا ، ويأخذ من المذاهب الأخرى ما قام الدليل على صحته، كما هي طريقة الأئمة من أتباع المذاهب كشيخ الإسلام ابن تيمية، والنووي وغيرهما حتى يكون قد بنى على أصل .

لأني أرى أن الذين أخذوا بالحديث ، دون أن يرجعوا إلى ما كتبه العلماء في الأحكام الشرعية، أرى عندهم شطحات كثيرة، وإن كانوا أقوياء في الحديث وفي فهمه ، لكن يكون عندهم شطحات كثيرة؛ لأنهم بعيدون عما يتكلم به الفقهاء. فتجد عندهم من المسائل الغريبة، ما تكاد تجزم بأنها مخالفة للإجماع ، أو يغلب على ظنك أنها مخالفة للإجماع .

لهذا ، ينبغي للإنسان أن يربط فقهه بما كتبه الفقهاء- رحمهم الله - ولا يعني ذلك أن يجعل الإمام، إمام هذا المذهب كالرسول - عليه الصلاة والسلام - يأخذ بأقواله وأفعاله على وجه الالتزام، بل يستدل بها ، ويجعل هذا قاعدة ، ولا حرج ؛ بل يجب : إذا رأى القول الصحيح في مذهب آخر ، أن يرجع إليه" انتهى من كتاب "العلم" لابن عثيمين، ص83

وقد كان بعض الناس ، في زمن العلامة السفاريني الحنبلي (ت:1188هـ) ، قد زعم : " أن العمل بكتب الفقه غير جائز ، لأنها محدثة " !!

فصنف العلامة السفاريني رحمه الله رسالة في الرد على هذه الفرية ، طبعت باسم : "جواب العلامة السفاريني عمن زعم أن العمل بكتب الفقه غير جائز ، لأنها محدثة " ، وقد طبعتها مجلة الوعي الإسلامي ، الإصدار الرابع والتسعون .

وقد جاء في جواب السفاريني هذا :

" اعلم أن هذا السؤال : اشتمل على عدة مسائل :

الأولى : زعم هذا الزاعم : ( أن كتب الفقه : لا يجوز العمل بشيء منها )!! ...

وهذه معظمة عظيمة ، ومصيبة جسيمة ، فإنها خارقة لإجماع الأمة ، ومخالفة لجميع الأئمة .

فإن الإئمة والأعلام ، من دين الإسلام ، لم يزالوا ، ولن يزالوا ، يعملون بكتب الفقه المعروفة ، ويتوارثون ذلك ، خلفا عن سلف .

فزعم هذا الزاعم فيه طعن على جميع الأمة ، من عصر التابعين ، إلى عصرنا هذا " انتهى (24) .

فإذا كانت هذه الفرية طعنا في جميع الأمة ، وخرقا لإجماعهم ، وهي تزهد في كتب الفقه خاصة ؛ فكيف بمن يصد عن كتب الفقه ، والتفسير ، وشروح الحديث ... ؟!! فهل هذا إلا الضلال المبين، والإفك العظيم .

ثم أورد السفاريني قول السائل له : ( هل دعوى هذا دعوى مجتهد ) ؟

فقال رحمه الله في جوابه :

" فالجواب نعم ، ولكن مجتهد في إزالة الشرع ، وارتكاب غير جادة المسلمين .

فمثل هذا الرجل ، في مثل هذا الزمان : دعواه الاجتهاد ، دعواه الاجتهاد ، كدعوى مسيلمة الكذاب النبوة ، وكذا العنسي ، وسجاح ، وأمثالهم من المتنبئين ... " إلى آخر كلامه في ذلك ، رحمه الله .

فانظر إلى جوابه عمن دعا ، بجهله ، وقلة ورعه : إلى ترك العمل بكتب الفقه بالكلية ؛ فكيف بمن دعا إلى هجر علوم الإسلام ، ودواوينه العظام ، وركن إلى الجهل الطافح ، وعمي عن طريق الأمة الواضح !!

والخلاصة :

أن الكتب المؤلفة في التفسير والحديث .. إنما هي معينة على فهم القرآن والسنة فهما صحيحا ، فكيف تكون مبعدة عن الأصل ، وهي الطريق إليه ؟!

والله أعلم.

أسئلة متعلقة أخري
لا يوجود محتوي حاليا مرتبط مع هذا المحتوي...