أرشيف المقالات

مع آية (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2مع آية ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ﴾   قال تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 57، 58].   اشتملت الآيتان على ثلاثة أحكام: الحكم الأول: إن قوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ﴾ دليلٌ واضح أنهم لم يقفوا عند حدِّ نقض العهد، بل قاموا فعلًا بشن حرب على المسلمين، أو انضموا إلى المشركين في قتال المسلمين، فالحالة إذًا حالة حرب قائمة، فما قيمة العهد هنا؟ وهل يكون موقف المسلمين موقفَ عتاب أم قتال؟ إنه لا مجال للعتاب؛ فلا شيء إلا القتل والقتال، بل والتقتيل والتنكيل بهؤلاء الخونة الغادرين بأشد ما يكون التنكيل؛ ليكون الهدف هو تشريد مَن وراءهم ومَن سمِع بحالهم ممَّن تُسوِّل له نفسه قتال المسلمين. جاء في أحكام القرآن (تثقفنَّهم معناه: تصادفهم[1]، وقوله تعالى: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ﴾؛ أي: إذا أسرتهم فنكِّل بهم تنكيلًا تشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفًا منك، وقيل: أي افعَلْ بهم من القتل ما تُفرِّق به مَن خلفهم من التعاون على قتالك)[2]. فهؤلاء جرائمهم نكراء، فهم جمعوا إلى الكفر نقضَ العهد وقتال المسلمين، فكان الواجب قتالهم والتنكيل بهم، ولعل التشريد هنا هو العقوبة المناسبة لليهود على وجه الخصوص؛ كيلا يجتمعوا في مكان لهم تنطلق منه مؤامراتُهم الدنيئة.   الحكم الثاني: النبذ: قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾ [الأنفال: 58]. معنى النبذ: نبَذ الشيء مِن يده: طرحه ورمى به، وصبيٌّ منبوذ، وجلس على المنبذة وهي الوسادة تُنبذ للإنسان؛ تطرح له، وطرَحوا لهم المنابذ، ومن المجاز: نبذ أمري وراء ظهره، إذا لم يعمل به، وانتبذ الرجل: اعتزل ناحية، ونبذ إلى العدو: رمى إليه بالعهد ونقضه[3]. كان الحكم الأول فيمَن نقض العهد فعلًا وصراحة، أما هذا الحكم، فهو فيمَن خِيفَ غدرُه، وتُوُقِّع نقضُه؛ استنادًا إلى بعض الأمارات والتقارير، فلأن المسلمين لا يقابلون الغدر بالغدر، ولا الخيانة بالخيانة، ولأنهم يحترمون العهود، ولا يُفاجِئون معاهِدًا بعدوانٍ - فإنهم ينبذون إلى القوم؛ أي: يُعلِمونهم صراحةً بنقضِ العهد؛ ليكونوا على بيِّنة من أمرهم، ويكونوا هم والمسلمون سواءً في المعرفة بالعهد أو بالنقض.   جاء في أحكام القرآن: (يعني - والله أعلم - إذا خِفْتَ غدرَهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين، وفعلوا ذلك خُفْيًا ولم يُظهِروا نقض العهد، ﴿ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾؛ يعني: أَلْقِ إليهم فَسْخَ ما بينك وبينهم من العهد والهدنة؛ حتى يستويَ الجميع في معرفة ذلك) [4]. وجاء في فقه السُّنة: "إذا ظهرت بوادرُ الغدر ودلائل الخيانة، فيكون الإعلام بالنقض تحرزًا عن الغدر، فإذا علِم الحاكمُ الخيانةَ ممَّن كان بينهم وبين المسلمين عهد، فإنه لا تحلُّ محاربتهم إلا بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغ خبره إلى القريب والبعيد؛ حتى لا يؤخذوا على غرَّة، وقاعدة الإسلام: (وفاء بغدر خيرٌ مِن غدر بغدر)"[5]. ومِن هنا تتبيَّن شرف الخصومة في الإسلام، وأن العداوة لا تُزيل العدالة، وهذا من آداب الحرب والسلم في الإسلام.   بيان الحكم الثالث: احترام العهود والمواثيق: إن احترام العهود والمواثيق ضرورةٌ من أجل السلام الذي يسعى إلى تحقيقه الإسلام؛ لأن ذلك ضمانٌ لحرية الدعوة، ولإفساح المجال للدعاة إلى الله تعالى، ولتمهيد الطريق أمام الناس كي يختاروا عقيدتهم، فلا إكراه في الدين، ولقد أمَر الله تعالى المؤمنين بالوفاء بالعهود مطلقًا، سواء أكان عهدًا مع الله أو مع الناس؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 34]، وقال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177]، في وصف أهل البر، ومدح اللهُ المُصلِّين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المعارج: 32].   وإن عدم احترام العهود والمواثيق مِن شأنه أن تعم الفوضى، وتسود شريعةُ الغاب، ويتخلق الناس بأخلاق الغدر والخسَّة والخيانة؛ ولهذا فإن احترام العهود والمواثيق من شأنه صلاح أمر الدنيا وحال العباد والبلاد، بَيْدَ أن العهود التي يجب احترامها والوفاء بها لها شروط؛ منها: 1- ألا تُخالِف حكمًا من أحكام الشريعة المتَّفق عليها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل شرط ليس في كتاب الله - (أي حكم الله) - فهو باطل، وإن كان مائة شرط)) [6]. 2- أن يكون عن رضًا واختيار؛ فإن الإكراه يسلب الإرادة، ولا احترام لعقدٍ لم تتوفر فيه الحرية. 3- أن تكون بيِّنة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض؛ حتى لا تؤوَّل تأويلًا يكون مثارًا للاختلاف عند التطبيق[7].   ولا تنقض العهود إلا في إحدى الحالات الآتية: 1- إذا كانت مؤقتة بوقت، أو محددة بظرف معين، وانتهت مدتها وانتهى ظرفها؛ قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4]. 2- إذا أخلَّ العدو بالعهد؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ [التوبة: 12]. 3- إذا ظهرَتْ بوادر الغدر ودلائل الخيانة؛ قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58][8].   يقول ابن القيم: "فصل في حكمِه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدوه، وفي رسلهم ألا يُقتلوا ولا يُحبسوا، وفي النبذ إلى مَن عاهده على سواء إذا خاف منه نقضَ العهد، وقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58]...
قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ، فلا يحلن عقدًا ولا يَشُدَّنَّه حتى يمضي أمدُه، أو ينبذ إليهم على سواء))[9]، ولما أسرَتْ قريشٌ حذيفةَ بن اليمان وأباه، أطلَقوهما وعاهَدوهما ألَّا يُقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خارجينَ إلى بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَفِي لهم بعهدِهم، ونستعين الله عليهم))" [10]. ومع أن الإسلام يدعو إلى احترام العهود والوفاء بالعقود، وينهى عن الخيانة والغدر، إلا أنه في ذات الوقت يدعو إلى اليقظة والحذَر من خيانة العدو المتربِّص، ومن هنا كانت أهمية إعداد العدَّة والاستعداد الدائم، والأخذ بكلِّ أسباب وأنواع القوة..


[1] قال القرطبي: وقيل: تأسرهم وتجعلهم في ثقاف، وتقدر عليهم، وهذا لازم من اللفظ ﴿ فِي الْحَرْبِ ﴾؛ ج4، ص 2869. [2] أحكام القرآن؛ للإمام الجصاص، ج3، ص 87، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1994. [3] أساس البلاغة، مادة (ن ب ذ). [4] أحكام القرآن؛ الجصاص، ج3، ص 87. [5] فقه السُّنة؛ الشيخ سيد سابق، ص 227. [6] فتح الباري، ج5، ص 249، باب الشروط في الولاء، (كتاب الشروط). [7] فقه السنة، ص 225. [8] وانظر: فقه السنة، ص 226. [9] سنن الترمذي، باب ما جاء في الغدر، رقم 1580، وقال: حديث حسن صحيح. [10] زاد المعاد، ج3، ص 222.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١