أرشيف المقالات

من الكبائر الشائعة (4) إتيان الكهان والمنجمين تصديقا لهم

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2من الكبائر الشائعة (٤) إتيان الكهان والمنجمين تصديقًا لهم   إتيان الكهَّان والمنجِّمين وتصديقهم كبيرةٌ؛ لما يأتي: 1- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلةً)): فعن صفية رضي الله عنها، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلةً))[1]، وفي رواية[2]: ((من أتى عرافًا فصدَّقَه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا)).   قلت: وهذا وعيد أكيد، وعقاب وتهديد، وقد أتى الوعيدُ مخصصًا بمن أتى العرَّاف أو الكاهن مصدِّقًا لهما فيما يقولان، فقد تكون الكبيرة لمن أتاهما مصدقًا لهما في قولهما، وهو أشبه، وقد يبقى الأمر على عمومه...
فالله أعلم.   والذي يظهر لي - والله أعلم - أن إتيان العرَّافين والكهنة لا يكون كبيرةً إلا إذا صحبه تصديقٌ لهم في دعواهم كما هو في هذه الرواية المقيدة، وقد أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابن صياد؛ وإنما ذهب إليه صلى الله عليه وسلم لامتحانه.   2 - أنابن مسعود رضي الله عنهقال: "من أتى كاهنًا فصدَّقه، فقد كفر": فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"[3]، وهذا لا يقال من قبيل الرأي...
والله أعلم.   قال ابن الأثير رحمه الله[4]: والحديث الذي فيه: ((من أتى كاهنًا)) قد يشتمل على إتيان الكاهن والعرَّاف والمنجِّم. قلت: والظاهر - والله أعلم - أن هذا الفعل قد يؤول بصاحبه إلى الكفر، فالكهانة ادِّعاء معرفة الغيب، كأن يقول: ستُرزق بكذا، ويحدث لك كذا، وسوف تتزوَّج بفلانة، ونحو هذا من الكلام، فمن صدَّقه في ادعائه الغيبَ، فقد فعل محرَّمًا، وارتكب كبيرةً، بل يكون مكذِّبًا لكلام الله عز وجل؛ إذ الله قال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27].   3 - أنه يروى أنهصلى الله عليه وسلمقال: ((ليس منا مَن تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له)): سبق بسند معلول: عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منَّا مَنْ تَطَيَّرَ ولا مَنْ تُطِيِّرَ له، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له، أو تَسَحَّرَ أو تُسُحِّرَ له)).   وقد عَدَّ إتيانَ الكهان والمنجمين وتصديقَهم في الكبائر: القرطبيُّ، والذهبي، وابن القيم، وابن النحاس، وابن نجيم، والحجاوي، وابن حجر، والسيواسي، والسفاريني رحمهم الله[5].   وما يذكره الكهنة والمنجمون فيصدُقُ أحيانًا، فهو مما أخبرتهم به الشياطين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((تلك الكلمة الحق، يخطفها الجنيُّ فيقذفها في أذن وليِّه[6]، ويزيد فيها مائة كذبة))[7].   فليحذر المسلمون من المنجمين والكهان؛ فلقد انتشر ذلك في زماننا، فترى هناك في مشاهير الصحف والمجلات، بل على قنوات العناوين الآتية وشاشاتها: "حظك هذا الأسبوع، أبراج القراء، قراءة الفنجان"، حفظ الله علينا إيماننا.   وهل إتيان الساحر من الكبائر؟ من ذهب إلى ساحر ليعمل سحرًا لأحد من المسلمين؛ كأن تعمل المرأة لزوجها سحرًا ليحبها، أو يعمل شخص ما سحرًا لآخر لأذيته، فهذا محرَّم بلا خلاف أعلمه؛ لأن السحر حرام وكبيرة، وأذية المسلم أشد حرمةً.   فأما من ذهب لساحر لعمل سحر يفك به سحرًا آخر، فقد وردت عن بعض السلف آثارٌ في جواز النُّشْرة، ففهم منها بعض العلماء جواز النشرة التي هي حَلُّ السِّحر عن المسحور ولو بسحر، وأجاز بعض العلماء ذلك لضرورة.   والصحيح أن السحر كلَّه حرام، وأن الذهاب إلى السَّحَرة محرم، وهذا القول القائل بجواز حلِّ السحر عن المسحور ولو بسحر لضرورة - غيرُ صواب من وجوه، ليس هذا محل بسطها، والله أعلم[8].   أما هل مطلق الذهاب إلى السحرة محرَّم أو كبيرة؟ فأقول: لو صحَّ حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من تطيَّر أو تُطير له، أو تكهَّن أو تُكهِّن له، أو سحر أو سحر له))، لكان قويًّا في أن من أتى ساحرًا ليسحر له، فقد فعل كبيرةً، لكنه معلول، كما بيَّناه.   لكن يمكن القول بأن من أتى ساحرًا فصدَّقه فيما يقوله ويدَّعيه من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وظنَّ أنه ينفع أو يضر - فقد ارتكب كبيرةً، بل يكون مكذِّبًا لكلام الله؛ إذ الله يقول: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27]، وعلى هذا يُحمَل حديث: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة - وذكر منهم: - ومُصَدِّقٌ بالسِّحْرِ))[9].   وأما مَنْ ذهب إلى ساحر وهو يعلم أنه لا يعلم من الغيب شيئًا، ويعتقد حرمة السحر، فقد ارتكب محرَّمًا، فإنْ طلب من الساحر أن يعمل سحرًا لأحد من المسلمين، فهذا ظلم للعباد، والظلم ظلماتٌ يوم القيامة، وهو من الكبائر.  


[1] أخرجه مسلم (2230). [2] أخرجها أحمد (4/ 68، 5/ 380)، بسند صحيح. [3] صحيح موقوفًا: أخرجه الطيالسي في "مسنده" (382)، وابن الجعد (425، 1951)، والخلال (1409)، من طرقٍ عن عبدالله، قلت: وقد روي مرفوعًا، لكنه معلولٌ، انظر: "العلل الكبير" للترمذي (76)، "العلل" للدارقطني (5/ 328)، وصحَّحه بعضُ أهل العلم مرفوعًا، انظر: "إرواء الغليل" (2006). [4] "النهاية" (4/ 215).
وقد قال البغويُّ رحمه الله في "شرح السنة" (12/ 182): ومنهم من يُسَمِّي المُنَجِّمَ كاهنًا. [5] "الجامع لأحكام القرآن" (7/ 3)، "الكبائر" ن1 (328)، "إعلام الموقعين" (6/ 571)، "تنبيه العافين" (190)، "الزواجر" (2/ 176)، "شرح رسالة الصغائر والكبائر" (48) "شرح منظومة الكبائر" (369).
ولفظ الذهبي وابن نجيم والسيواسي: تصديق الكاهن والمنجم.
وقال ابن القيم: إتيان الكهنة والمنجمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم.
وقال الحجاوي والسفاريني: إتيان الكاهن والعراف وتصديقهم.
وقال ابن حجر: وإتيان كاهن، وإتيان عراف. [6] يعني وليَّه من الإنس. [7] وقد اشتهرَ بين العامَّة حديثُ: "كَذَبَ المُنَجِّمونَ، ولو صَدَقوا"، ولا أعلمُ لذلكَ أصلًا، لا مرفوعًا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا موقوفًا، والله أعلم. [8] وقد فصَّلتُ القولَ في ذلك في كتابي: "تيسير ربِّ البرية بأحكام الرقية الشرعية" (133). [9] قوله: ((وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ)) حسن بشواهده: أخرجه أحمد (4/ 399)، والحاكم (4/ 146)، وابن حبان (5346، 6137)، عن أبي موسى، وفيه أبو حَريز عبدالله بن الحسين الأزدي، متكلَّم فيه، وهو إلى الضعف أقرب، وله شاهدٌ عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، أخرجه أحمد (3/ 14، 83)، وفيه عطية بن سعد العَوْفي، ضعيف، وثانٍ عن أبي الدرداء، أخرجه أحمد (6/ 441)، وفيه سليمان بن عتبة، تُكُلِّمَ فيه.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١