عجبا أتوحشني وأنت إزائي
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| عجبا أتوحشني وأنت إزائي | وضياء وجهك ماليء سودائي |
| لكنه حق وإن أبت المنى | أنا تفرقنا لغير لقاء |
| جرحوا صميم القلب حين تحملوا | الله في جرح بغير شفاء |
| ألطيب المحمود من عمري مضى | والمفتدى بالروح من خلصائي |
| لا بل هما مني جناحا طائر | رميا ولم يك نافعي إخطائي |
| ألصاحبان الأكرمان توليا | فعلام بعد الصاحبين ثوائي |
| لم يتركا برداهما غير الشجى | لأخيهما ما دام في الأحياء |
| وحيالي الخلطاء إلا أنني | متغرب بالعهد في خلطائي |
| أيراد لي من فضل ما مجدا به | إرث إذن جهل الزمان وفائي |
| إن نحي بالذكرى فلا تبديل في | صفة ولا تغيير في الأسماء |
| يا صاحبي غدوت منذ نأيتما | أجد الحياة ثقيلة الأعباء |
| لا ليل عافية هجعت به ولا | يوم نشطت به من الإعياء |
| أنا واحد في الجازعين عليكما | وكأنما ذاك البلاء بلائي |
| فإذا بدا لكما قصوري فاعذرا | أو شفعا لي مسلفات ولائي |
| مهلا أمير الشعر غير مدافع | ومعز دولته بغير مراء |
| كم أمة كانت على قدر الهوى | ترجوك ما شاءت لطول بقاء |
| متمكنا من نفسها إيمانها | إن لم تكن ممن حيوا لفناء |
| فإذا المنايا لم تزل حرب المنى | وإذا الرزيئة فوق كل عزاء |
| في مصر بل في الشرق منها لوعة | سدت على السلوان كل فضاء |
| أترى مويجات الأثير كأنها | حسرى بما تزجي من الأنباء |
| بعث الشرار بها ثقالا لو بدا | ما حملت لبدت نطاف دماء |
| جزع الكنانة كاد لا يعدو وأسى | أم القرى ومناحة الفيحاء |
| وبحضرموت على تنائي دارها | شكوى كشكوى تونس الخضراء |
| بالأمس كان هواك يجمع شملها | في فرقة النزعات والأهواء |
| واليوم فت رداك في أعضادها | ما أجلب البأساء للبأساء |
| أفدح بما يلقاه آلك إن يكن | جزع الأباعد جل عن تأساء |
| حرموا أبا برا نموا وترعرعوا | من جاهه في أسمح الأفياء |
| وكفقدهم فقد الغرانيق العلى | علم الهدى للفتية النجباء |
| وكرزئهم | رزئ الرجال مرجبا عف اللسان مهذب الإيماء |
| يتناولون من الصحائف وحيه | فتكون كل صحيفة كلواء |
| ما عشت فيهم ظلت بلبل أيكهم | في الأمن والرئبان في اللاواء |
| لك جوك الرحب الذي تخلو به | متفردا والناس في أجواء |
| عذلوك في ذاك التعزل ضلة | إن التعزل شيمة النزهاء |
| ما كان شغلك لو دروا إلا بهم | لكن كرهت مشاغل السفهاء |
| ولعل أعطفهم عليهم من دنا | بالنفع منهم وهو عنهم ناء |
| أحللت نفسك عند نفسك ذروة | تأبى عليها الخسف كل إباء |
| فرعيت نعمتك التي أثلتها | ورعيت فيها جانب الفقراء |
| تقني حيائك عالما عن خبرة | إن الخصاصة آفة الأدباء |
| وترى الزكان لذي الثراء مبرة | منه به ووسيلة لزكاء |
| كم من يد أسديتها وكسوتها | متأنقا لطف اليد البيضاء |
| عصر تقضى كنت ملء عيونه | في أربعين بما أفدت ملاء |
| يجلو نبوغك كل يوم آية | عذراء من آياته الغراء |
| كالشمس ما آبت أتت بمجدد | متنوع من زينة وضياء |
| هبة بها ضن الزمان فلم تتح | إلا لأفذاذ من النبغاء |
| يأتون في الفترات بوعد بينها | لتهيؤ الأسباب في الأثناء |
| كالأنبياء ومن تأثر إثرهم | من علية العلماء والحكماء |
| رفعتك بالذكرى إلى أعلى الذرى | في الخلد بين أولئك العظماء |
| من مسعدي في وصفها أو مصعدي | درجات تلك العزة القعساء |
| ومطوع لي من بياني ما عصى | فأقول فيك كما تحب رثائي |
| لي فيك من غرر المديح شوارد | أدت حقوق علاك كل أداء |
| ووفت قوافيها بما أملى على | قلمي خلوص تجلتي وإخائي |
| ماذا دهاني اليوم حتى لا أرى | إلا مكان تفجعي وبكائي |
| شوقي لا تبعد وإن تك نية | ستطول وحشتها على الرقباء |
| تالله شمس لن تغيب وإنها | لتنير في الإصباح والإمساء |
| هي في الخواطر والسرائر تنجلي | أبدا وتغمرهن بالألاء |
| والذخر أبقى الذخر ما خلفته | من فاخر الآثار للأبناء |
| هو حاجة الأوطان ما دالت بها | دول من السراء والضراء |
| سيعاد ثم يعاد ما طال المدى | ويظل خير مآثر الآباء |
| يكفي بيانك أن بلغت موفقا | فيه أعز مبالغ القدماء |
| بوأت مصر به مكانا نافست | فيه مكان دمشق والزوراء |
| ورددت موقفها الاخير مقدما | في المجد بين مواقف النظراء |
| لك في قريضك خطة آثرتها | عزت على الفصحاء والبلغاء |
| من أي بحر دره متصيد | وسناه من تنزيل أي سماء |
| ظهرت شمائل مصر فيه بما بها | من رقة ونعومة ونقاء |
| ترخيمها في لحنه متسامع | ونعيمها في وشيه متراء |
| شعر سرى مسرى النسيم بلطفه | وصفا بروعته صفاء الماء |
| ترد العيون عيونه مشتفة | ويصيب فيه السمع ري ظماء |
| ويكاد يلمس فيه مشهود الرؤى | ويحس همس الظن في الحوباء |
| في الجو يؤنس من يحلق طائرا | والدو يؤنس راكب الوجناء |
| عجبا لما صرفت فيه فنونه | من فطنة خلابة وذكاء |
| فلكل لفظ رونق متجدد | ولكل قافية جديد رواء |
| يجلى الجمال به كأبدع ما انجلت | صور حسان في حسان مرائي |
| ولربما راع الحقيقة رسمها | فيه فما اعتصمت من الخيلاء |
| حياك ربك في الذين سموا إلى | أمل فأبلوا فيه خير بلاء |
| من ملهم أدى أمانة وحيه | بعزيمة غلابة ومضاء |
| متجشم بالصبر دون أدائها | ما سيم من عنت وفرط عناء |
| للعبقرية قوة علوية | في نجوة من نفسه عصماء |
| كم أخرجت لأولى البصائر حكمة | مما ألم به من الأرزاء |
| حتى إذا اشتعل المشيب برأسه | ما زاد جذوتها سوى إذكاء |
| فالداء ينحل جسمه ونشاطها | بسطوعه يخفي نشاط الداء |
| جسم يقوضه السقام وهمسها | متعلق بالخلق والإنشاء |
| عجبا لعاميه اللذين قضاهما | في الكد قبل الضجعة النكراء |
| عاما نزاع لم تهادن فيهما | نذر الردى وشواغل البرحاء |
| حفلا بما لم يتسع عمر له | من باهر الإبداع والإبداء |
| فتح يلي فتحا وصرح باذخ | في إثره صرح وطيد بناء |
| هذا إلى فطن يقصر دونها | مجهود طائفة من الفطناء |
| من تحفة منظومة لفكاهة | أو طرفة منظومة لغناء |
| أو سيرة سيقت مساق رواية | لمواقف التمثيل والإلقاء |
| تجري وقائعها فتجلو للنهى | منها مغازي كن طي خفاء |
| فإذا الحياة عهيدها وعتيدها | مزج كمزج الماء والصهباء |
| تطفو حقائقها على أوهامها | وتسوغ خالصة من الأقذاء |
| يا من صحبت العمر أشهد مانحا | في الشعر من متباين الأنحاء |
| إني ليحضرني بجملة حاله | ماضيك فيه كانه تلقائي |
| من بدئه وحجاك يفتح فتحه | للحقبة الادبية الزهراء |
| حتى الختام ومن مفاخر مجدد | ما لم يتح لسواك في الشعراء |
| فأرى مثالا رائعا في صورة | للنيل تملأ منه عين الرائي |
| ألنيل يجري في عقيق دافق | من حيث ينبع في الربى الشماء |
| يسقي سهول الريف بعد حزونه | ويديل عمرانا من الإقواء |
| ما يعترضه من الحواجز يعده | ويعد إلى الإرواء والإحياء |
| حتى إذا رد الفيافي جنة | فيما علا ودنا من الأرجاء |
| أوفى على السد الأخير ودونه | قرب المصير إلى محيط عفاء |
| فطغى وشارف من خلاف زاخرا | كالبحر ذي الإزباد والإرغاء |
| ثم ارتمى بفيوضه من حالق | في المهبط الصادي من الجرعاء |
| فتحدرت وكأن منهمراتها | خصل من الأنوار والأنداء |
| مسموعة الإيقاع في أقصى مدى | جذلى بما تهدي من الآلاء |
| إن أخطأت قطرا مواقع غيثها | أحظته باللمحات والأصداء |
| لله در قريحة كانت لها | هذي النهاية من سنى وسناء |
| رفعتك من علياء فانية إلى | ما ليس بالفاني من العلياء |