تلك الدجنة آذنت بجلاء
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| تلك الدجنة آذنت بجلاء | وبدا الصباح فحي وجه ذكاء |
| ألعدل يجلوها مقلا عرشها | والظلم يعثر عثرة الظلماء |
| يا أيها العظيم تحية | فك الأسارى بعد طول عناء |
| أوشكت فيك وقد نسيت شكيتي | أن أوسع الأيام طيب ثناء |
| حسبي اعتذارك عن مساءة ما مضى | بمبرة موفورة الآلاء |
| ألشمس يزداد ائتلافا نورها | بعد اعتكار الليلة الليلاء |
| ويضاعف السراء في إقبالها | تذكار ما ولى من الضراء |
| لا كانت الحجج التي كابدتها | من بدء تلك الغارة الشعواء |
| ألحزن حيث أبيت ملء جوانحي | والناء ملء جوانب الغبراء |
| دامي الحشاشة لم أخلني صابراً | بعد الفراق فظافرا بلقاء |
| منهد أركان العزيمة لم أكد | يأسا أمني مهجتي بشفاء |
| حجج بلوت الموت حين بلوتها | متعرضا لي في صنوف شقاء |
| لكنها والحمد لله انقضت | وتكشفت كتكشف الغماء |
| وغدا الخليل مهنئا ومهنئا | بعد الأسى وتعذر التأساء |
| جذلان كالطفل السعيد بعيده | مسترسلا في اللفظ والإيماء |
| يقضي وذلك نذره في يومه | حاجات سائله بلا إبطاء |
| ما كان أجوده على بشرائه | بثرائه لو كان رب ثراء |
| عاد الحبيب المفتدى من غربة | أعلت مكانته عن الجوزاء |
| إن الأديب وقد سما ببلائه | غير الأديب وليس رب بلاء |
| في برشلونة نازح عن قومه | ودياره والأهل والقرباء |
| ناء ولو أغنت من المقل النهى | ما كان عنهم لحظة بالنائي |
| بالأمس فيه العين تحسد قلبها | واليوم يلتقيان في نعماء |
| أهلا بنابغة البلاد ومرحبا | بالعبقري الفاقد النظراء |
| شوقي أمير بيانها شوقي فتى | فتيانها في الوقفة النكراء |
| شوقي وهل بعد اسمه شرف إذا | شرفت رجال النبل بالأسماء |
| وافى ومن للفاتحين بمثل ما | لاقى من الإعظام والإعلاء |
| مصر تحييه بدمع دافق | فرحا وأحداق إليه ظماء |
| مصر تحييه بقلب واحد | موف هواه به على الأهواء |
| جذلى بعود ذكيها وسريها | جذلى بعود كميها الأباء |
| حامي حقيقتها ومعلي صوتها | أيام كان الصوت للأعداء |
| ألمنشيء اللبق الحفيل نظيمه | ونثيره بروائع الأبداء |
| ألبالغ الخطر الذي لم يعله | خطر بلا زهو ولا خيلاء |
| ألصادق السمح السريرة حيث لا | تعدو الرياء مظاهر السمحاء |
ألراحم المسكين والملهوف والمظلوم حين تعذر الرحماء | |
| علما بأن الأقوياء ليومهم | هم في غدا غد من الضعفاء |
| ألطيب النفس الكريم بماله | في ضنة من أنفس الكرماء |
| ألكاظم الغيظ الغفور تفضلا | وتطولا لجهالة الجهلاء |
| جد الوفي لصحبه ولأهله | ولقومه إن عز جد وفاء |
| ألمفتدي الوطن العزيز بروحه | هل يرتقي وطن بغير فداء |
| متصديا للقدوة المثلى وما | زال السراة منائر الدهناء |
| هذي ضروب من فضائله التي | رفعته فوق منازل الأمراء |
| جمعت حواليه القلوب وأطلقت | بعد اعتقال ألسن الفصحاء |
| ما كان للإطراء ذكرى بعضها | وهي التي تسمو عن الإطراء |
| قلت اليسير من الكثير ولم أزد | شيئا وكم في النفس من أشياء |
| أرعى اتضاع أخي فأوجز والذي | يرضي تواضعه يسوء إخائي |
| إن البلاد أبا علي كابدت | وجدا عليك حرارة البرحاء |
| وزكا إلى محبوبها تحنانها | بتبغض الأحداث والأرزاء |
| لا بدع في إبدائها لك حبها | بنهاية الإبداع في الإبداء |
| فالمنجبات من الديار بطبعها | أحنى على أبنائها العظماء |
| ألقطر مهتز الجوانب غبطة | فيما دنا ونأى من الأرجاء |
| روي العطاش إلى اللقاء وأصبحوا | بعد الجوى في بهجة وصفاء |
| وبجانب الفسطاط حي موحش | هو موطن الموتى من الأحياء |
| فيه فؤاد لم يقر على الردى | لأبر أم عوجلت بقضاء |
| لاح الرجاء لها بأن تلقى ابنها | وقضت فجاء اليأس حين رجاء |
| أودى بها فرط السعادة عندما | شامت لطلعته بشير ضياء |
| لكنما عود الحبيب وعيده | ردا إليها الحس من إغفاء |
| ففؤادها يقظ له فرح به | وبفرقديه من أبر سماء |
| يرعى خطى حفدائها ويعيذيهم | في كل نقلة خطوة بدعاء |
| في رحمة الرحمن قري واشهدي | تمجيد أحمد فهو خير عزاء |
| ولأمه الكبرى وأمك قبله | خلي وليدك وارقدي بهناء |
| مصر بشوقي قد أقر مكانها | في الذروة الأدبية العصماء |
| هو أوحد الشرقين من متقارب | متكلم بالضاد أو متنائي |
| ما زال خلاقا لكل خريدة | تصبي الحليم بروعة وبهاء |
| كالبحر يهدي كل يوم درة | أزهى سنى من أختها الحسناء |
| قل للمشبه إن يشبه أحمدا | يوما بمعدود من الأدباء |
| من جال من أهل اليراع مجاله | في كل مضمار من الإنشاء |
| من صال في فلك الخيال مصاله | فأتى بكل سبية عذراء |
| أصحبته والنجم نصب عيونه | والشأو أوج القبة الزرقاء |
إذ | |
| يا حسنه شكرا من ابن مخلص | لأب هو المفدي بالآباء |
| أغلى على ماء اللآليء صافيا | ما فاض ثمة من مشوب الماء |
| أتهادت الأهرام وهي طروبة | لمديحه تهتز كالأفياء |
| فعذرت خفتها لشعر زادها | بجماله الباقي جمال بقاء |
| أنظرت كيف حبا الهياكل والدمى | بحلى تقلدها لغير فناء |
| فكأنها بعثت به أرواحها | ونجت بقوته من الإقواء |
| أتمثلت لك مصر في تصويره | بضفافها وجنانها الفيحاء |
| وبدا لوهمك من حلي نباتها | أثر بوشي بيانه مترائي |
| أسمعت شدو البلبل الصداح في | أيكاتها ومناحة الورقاء |
| فعجبت أني صاغ من تلك اللغى | كلمات إنشاد ولفظ غناء |
| لله يا شوقي بدائعك التي | لو عددت أربت على الإحصاء |
| من قال قبلك في رثاء نقسه | يجري دما ما قلت في الحمراء |
| في أرض أندلس وفي تاريخها | وغريب ما توحي إلى الغرباء |
| جاريت نفسك مبدعا فيها وفي | آثار مصر فظلت أوصف رائي |
| وبلغت شأو البحتري فصاحة | وشأوته معنى وجزل أداء |
| بل كنت أبلغ إذ تعارض وصفه | وتفوق بالتمثيل والإحياء |
| يا عبرة الدنيا كفانا ما مضى | من شأن أندلس مدى لبكاء |
| ما كان ذنب العرب ما فعلوا بها | حتى جلوا عنها أمر جلاء |
| خرجوا وهم خرس الخطى أكبادهم | حرى على غرناطة الغناء |
| ألفلك وهي العرش أمس لمجدهم | حملت جنازته على الدأماء |
| أوجزت حين بلغت ذكرى غبهم | إيجاز لا عي ولا إعياء |
| بعض السكوت يفوق كل بلاغة | في أنفس الفهمين والأرباء |
| ومن التناهي في الفصاحة تركها | والوقت وقت الخطبة الخرساء |
| قد سقتها للشرق درسا حافلا | بمواعظ الأموات للأحياء |
| هل تصلح الأقوام إلا مثلة | فدحت كتلك المثلة الشنعاء |
يا بلبل البلد الأمين ومؤنس الليل الحزين بمطرب الأصداء | |
| غبرت وقائع لم تكن مستنشدا | فيها ولا اسمك ماليء الأنباء |
| لكن بوحيك فاه كل مفوه | وبرأيك استهدى أولو الآراء |
| هي أمة ألقيت في توحيدها | أسا فقام عليه خير بناء |
| وبذرت في أخلاقها وخلالها | أزكى البذور فآذنت بنماء |
| أما الرفاق فما عهدت ولاؤهم | بل زادهم ما ساء حسن ولاء |
| وشباب مصر يرون منك لهم أبا | ويرون منك بمنزل الأبناء |
| من قولك الحر الجريء تعلموا | نبرات تلك العزة القعساء |
| لا فضل إلا فضلهم فيما انتهى | أمر البلاد إليه بعد عناء |
كانوا همو الأشياخ والفتيان والقواد والأجناد في البأساء | |
| لم يثنهم يوم الذياد عن الحمى | ضن بأموال ولا بدماء |
| أبطال تفدية لقوا جهد الأذى | في الحق وامتنعوا من الإيذاء |
| سلمت مشيئتهم وما فيهم سوى | متقطعي الأوصال والأعضاء |
| إن العقيدة شيمة علوية | تصفو على الأكدار والأقذاء |
| تجني مفاخر من إهانات العدى | وتصيب إعزازا من الإزراء |
| بكر بأوج الحسن أغلى مهرها | شرف فليس غلاؤه بغلاء |
| أيضن عنها بالنفيس ودونها | يهب الحماة نفوسهم بسخاء |
| تلك القوافي الشاردات وهذه | آثارها في أنفس القراء |
| شوقي إخالك لم تقلها لاهيا | بالنظم أو متباهيا بذكاء |
| حب الحمى أملى عليك ضروبها | متأنقا ما شاء في الإملاء |
| أعظم بآيات الهوى إذ يرتقي | متجردا كالجوهر الوضاء |
| فيطهر الوجدان من أدرانه | ويزينه بسواطع الأضواء |
| ويعيد وجه الغيب غير محجب | ويرد خافية بغير خفاء |
| أرسلتها كلما بعيدات المدى | ترمي مراميها بلا إخطاء |
| بينا بدت وهي الرجوم إذ اغتدت | وهي النجوم خوالد اللالاء |
| ملأت قلوب الهائبين شجاعة | وهدت بصائر خابطي العشواء |
| من ذلك الروح الكبير وما به | يزدان نظمك من سنى وسناء |
| أعدد لقومك والزمان مهادن | ما يرتقون به ذرى العلياء |
| أليوم يومك إن مصر تقدمت | لمآلها بكرامة وإباء |
| فصغ الحلي لها وتوج رأسها | إذ تستقل بأنجم زهراء |