الصفحة 36 من 39

المبحث الثاني عشر

في قوله - صلى الله عليه وسلم: (وإن مع العسر يسرًا)

أي أن كل عسر بعده يسر، بل إن العسر محفوف بيسرين، يُسر سابق ويسر لاحق، قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [1]

يقول السعدي: (( وقوله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} : بشارة عظيمة أنه كلما وجد عسر وصعوبة؛ فإن اليسر يقاربه ويصاحبه ... وتعريف (العسر) في الآيتين يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.

وفي تعريفه بالألف واللام، الدال على الاستغراق والعموم دلالة على أن كل عسر، وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ، فإنه في آخره اليسر ملازم له )) [2] .

ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [3] ، ففي هذه الآية بشارة للمعسرين بأن الله تعالى سيزيل عنهم الشدة، ويرفع عنهم المشقة [4] .

والكرب والعسر والشدة أمور تصقل العبد وتصفيه من الشوائب؛ إذ تزيد من تعلقه بربه والالتجاء إليه بإخلاص وحسن اتباع، فتطهره من ذنوبه إذا صبر واحتسب، وأخلص وتابع، والعسر لا يدوم بالعبد بل معه اليسر والفرج.

وقد استدل ابن كثير [5] على هذه المسألة، بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاء في إحدى رواياته، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أصاب رجلًا حاجةٌ، فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعتجن، وما نختبز، فجاء الرجل والجفنة ملأى عجينًا، وفي التنور حبوب الشواء، والرحى تطحن، فقال: من أين هذا؟ قالت: من رزق الله، فكنس ما حول الرحى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لو تركها لدارت أو طحنت إلى يوم القيامة) [6] .

و يدل على أن العسر إذا اشتد بالعبد؛ فإن بعده اليسر بإذن الله تعالى، قوله سبحانه: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا} [7] . وقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب} [8] ، فهنا يذكر الله تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله، في أحرج الأوقات، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها [9] .

يقول السعدي عند تفسير الآية السابقة من سورة البقرة: (( يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة، كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه؛ فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان؛ فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه، فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم {مستهم البأساء والضراء} أي الفقر والأمراض في أبدانهم، {وزلزلوا}

(1) سورة الشرح، الآيتان 4 - 5.

(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 859، وانظر تفسير القرآن العظيم 4/ 527.

(3) سورة الطلاق، الآية 7.

(4) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 808.

(5) انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 384.

(6) أخرجه الطبراني في الأوسط 2/ 41، والبيهقي في الدلائل 6/ 105، والبزار في مسنده 4/ 267، وأحمد في مسنده 2/ 513، 421 برواية أخرى، وانظر مجمع الزوائد 10/ 207، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 6/ 1051،1052، ح 2937.

(7) سورة يوسف، الآية 110.

(8) سورة البقرة، الآية 214.

(9) انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 239، 2/ 478، ودقائق التفسير 3/ 301، 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت