الصفحة 34 من 39

لإزالتها، أما المصائب والابتلاءات فيجب الرضا بها من حيث إنها قضاء الله وفعله، أما الرضا من حيث وقوعها على العبد فإنه مستحب عند جمهور أهل العلم [1] .

وأما الفرق بين الصبر والرضا؛ فإن الصبر كف النفس و حبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم، لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم [2] .

يقول ابن القيم: (( وأما حديث(الرضا بالقضاء) فيقال: أولًا: بأي كتاب: أم بأي سنة، أم بأي معقول علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره؟ بل بجواز ذلك، فضلًا عن وجوبه؟ هذا كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك، ولا إباحته، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخطه ويمقته، فلا نرضى بكل قضاء .. ، ويقال: ثانيًا: هاهنا أمران (قضاء) وهو فعل قائم بذات الرب تعالى؛ و (مقضي) وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء خير كله، وعدل وحكمة، فيرضى به كله، والمقضي قسمان، منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به ... ، ويقال: ثالثًا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى، ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به كله، الوجه الثاني: تعلقه بالعبد، ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به )) [3]

وفي موضع آخر ذكر ابن القيم أن الناس تنازعوا في الرضا بالقضاء (( هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب أحمد، فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربًا، وذلك واجب ... ، ومنهم من قال هو مستحب غير واجب؛ فإن الإيجاب يستلزم دليلًا شرعيًا، ولا دليل يدل على الوجوب، وهذا القول أرجح؛ فإن الرضا من مقامات الإحسان، التي هي من أعلى المندوبات ) ) [4] ، ولعل مراده هنا الرضا بالمصائب من حيث وقوعها على العبد، بدليل قوله بعد ذلك: (( الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم، التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها: الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب، وفي وجوبه قولان، هذا كله في الرضاء بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا ) ) [5]

المبحث الحادي عشر

في قوله - صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الفرج مع الكرب)

كلما اشتدت الأمور واكتربت وضاقت؛ فإن الفرج بإذن الله تعالى قريب؛ يدل على ذلك قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [6] . (( فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله - سبحانه وتعالى - ) ) [7] .

يقول السعدي في تفسير هذه الآية: (( أي: هل يجيب المضطرب، الذي أقلقته الكروب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟، ومن يكشف السوء، أي: البلاء، والشر، و النقمة إلا الله وحده؟، ومن يجعلكم خلفاء الأرض، يمكنكم منها، ويمد لكم بالرزق، ويوصل إليكم نعمه، وتكونون خلفاء من قبلكم، كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم، أإله مع الله، يفعل هذه الأفعال؟

لاأحد يفعل مع الله شيئًا من ذلك، حتى بإقراركم أيها المشركون؛ ولهذا كانوا إذا مسهم الضر، دعوا الله مخلصين له الدين، لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه و إزالته، {قليلاَ ما تذكرون} أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي

(1) انظر فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين 1/ 61.

(2) انظر المصدر السابق، ونور الاقتباس ص55.

(3) مدارج السالكين بين منازل (إياك نعبد وإياك نستعين) 1/ 256.

(4) انظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص 278.

(5) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(6) سورة النمل، آية 62.

(7) انظر شرح رياض الصالحين 2/ 456.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت