وهنا نجد الله يشكر لعباده سعيهم للآخرة وإيمانهم، وشكر الله للعبد يلمس القلب لمسة رقيقة عميقة، إنه معلوم أن الشكر من الله سبحانه معناه الرضى ومعناه مايلازم الرضى من الثواب، وإذا كان الخالق المنشء المنعم المتفضل الغني عن العالمين يشكر لعباده صلاتهم وإيمانهم وشكرهم وإمتنانهم، وهو سبحانه غني عنهم وعن إيمانهم وشكرهم وامتنانهم، إذا كان الخالق المنشئ المنعم المتفضل الغني عن العالمين يشكر، فماذا ينبغي للعباد المخلوقين المغمورين بنعمة الله، تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم. ألا إنها اللمسة العميقة الرقيقة التي ينتفض لها القلب ويخجل ويستجيب، ألا إنها الإشارة المنيرة إلى معالم الطريق إلى الله الوهاب المنعم الشكور العليم.
إن اختيار الله لفريق من عباده ليشرح صدورهم للإيمان ويحرك قلوبهم إليه، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم، وتدرك مافي الإيمان من جمال وخير، هذا الاختيار فضل من الله ونعمة دونها كل فضل وكل نعمة حتى نعمة الحياة ذاتها تبدو أقل من نعمة الإيمان.
يقول ابن القيم: أفضل ما اكتسبته النفوس وحصّلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو الإيمان والعلم، ولهذا قرن الله بينهما، قال {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة 11
إن الإيمان هو الذي يجعل للإنسان وجودًا حقيقيًا في هذه الحياة، إنه يشعر بالسعادة لأن له هدفًا يسعى للوصول إليه، سيجد الطمأنينة على هذه الأرض حتى يلقى الله، سيشعر بأنسه بكل مافي الوجود حوله، وأنسه بالله خالقه وخالق هذا الوجود وشعوره بقيمته وكرامته وإحساسه بأنه يملك دورًا مرموقًا يقوم به ويرضى الله عنه، ويحقق الخير لهذا الوجود ومن فيه.