بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد، فإن مما يثلج الصدر ما نراه من جهد حثيث لدى طلبة العلم والباحثين في الجامعات الشرعية وغيرها لتحقيق التراث الإسلامي ونشره بين الناس وتقريب علم السلف ليكون في متناول الأيدي والأبصار، بعد أن كان كثير منه مهجورًا في عالم المخطوطات لا يكاد يصل إليه أحد، وربما جهل وجوده خاصة أهل العلم، فضلًا عن عوامهم.
غير أن هذه الجهود المشكورة شابها شيء من التعكير والدخن، إذ أفرط بعض الباحثين في تعليقاتهم على الكتب، فأكثروا الكلام ونفخوا الحواشي بما لا طائل وراءه، حتى صرت ترى الكتاب الذي أصله في ورقات، يطبع في مجلدات!.
وأشد من ذلك تعليقات المحقق في الحواشي على كلام المؤلف وانتقاده له ومخالفته لمذهبه، دون حاجة إلى ذلك، وكم رأينا من كتاب لإمام من أئمة السلف جنى عليه (محققه) بتعليقات خلفية المذهب ومخالفات رديئة المشرب.
وأشد من ذلك العبث في أصل الكتاب بالحذف تارة وبالإضافة تارة أخرى، وهذا تحريف وتبديل، ورُبَّ زيادة حرف أو نقصانه يقلب المعنى رأسًا على عقب.
ولست أفرض الكمال في عمل الباحث والمحقق، فإن هذا محال، فالخطأ وارد على البشر، وإنما أعني فئة معينة من هؤلاء، ثم هم ليسوا سواءً، فمنهم المكثر ومنهم المقل.
وقد تقع مثل هذه الأخطاء من طلبة علم فضلاء، عن غير قصد منهم لذلك، وهذه بلية، لأنه قد يقتدي بهم في ذلك من حظه من العلم قليل.
وبين يدي كتابان من كتب أئمة السلف، كل منهما أصل في بابه، قام بتحقيقهما بعض الفضلاء من طلبة العلم، من مشاهير الدعاة إلى مذهب السلف، وقد وقعت منهم أخطاء، هي في نظري كثيرة، وما كنت أظن أنها تصدر من مثلهم ولا أشك أنها حصلت عن غير قصد منهم.
أما الكتاب الأول، فهو: كتاب (السنة) للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.