وقد يكون بعض هؤلاء قد دخلت عليهم شبهة المرجئة القائلين بصحة الإيمان بالإقرار بالشهادتين دون اعتبار لانتفاء نواقضها، وكلا الفريقين ـ من قال بقول الجهمية ومن قال بقول المرجئة ـ قد قال باطلا وأخطأ فيما ذهب إليه، وقد بيّنا بطلان مذهب المرجئة ومدى مخالفته لمذهب أهل السنة والجماعة في المسألة الأولى من بحثنا المتعلق بمسائل الإيمان.
وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد فقط، بل ذهب هؤلاء مذهبا بعيدا وذلك بنسبة مخالفيهم ـ الذين يكفرون الطواغيت الحاكمين بغير ما أنزل الله والمبدلين لشريعة الله تعالى ويجاهونهم ـ إلى مذهب الخوارج الذين يكفرون أهل الإسلام بالمعصية غير المكفرة، وهذا ظلم وجهل منهم، وسنبين إن شاء الله تعالى بالأدلة الشرعية أن الإجماع حاصل على ما أنكروه ونقموه من تكفير من لم يحكم بما أنزل الله، أو حكم بغير الشريعة، أو بدل أحكام الله تعالى وألزم الناس بقوانين وضعية مخالفة لدين الله تعالى.
تنبيه في أهمية فهم الواقع للمفتي والحاكم.
وقبل الشروع في إيراد الأدلة الشرعية ننبه إلى أمر هام وهو الذي يعتبر مدخلا هاما للحكم في هذه المسألة وغيرها، وهو المتعلق بفقه الواقع.
فإننا نجد كثيرا من أهل الصلاح والتقوى وأهل العلم والفتوى يُقدِمون على الكلام في مسائل هم لا يعرفون الواقع فيها معرفة تامة، ولا يتنبهون إلى مداخل أهل الفجور والطغيان وما يستعملونه من حِيَلٍ لاستخراج الفتاوى من المشايخ والعلماء، بحيث تخدم هذه الفتاوى أهدافهم الخبيثة التي يعملون بها على تدمير الإسلام ومحاربة أهله، ويسوغون بها موالاة اليهود والنصارى والمشركين وتمكينهم من بلاد المسلمين، والحكم بين الناس بقوانين ما أنزل الله بها من سلطان، بل ويستعملون هذه الفتاوى كمسوغ لقتل الشباب المجاهد باسم إقامة حد الحرابة ومحاربة المفسدين.
وهؤلاء العلماء إنما يُفتون بهذه الفتاوى ويطلقون هذه الأحكام ولا يقصدون بها ما يستعملها أعداء الله تعالى فيها، ولو علم أصحاب الفتاوى ومن أطلق هذه الأحكام هذه الأهداف الخبيثة والحيل الماكرة ما أقدموا على إصدار هذه الفتاوى والأحكام، وهذا هو ظننا بهؤلاء المشايخ والعلماء والصالحين.
ومما يجب على المفتي أو العالم أو الحاكم أو القاضي وكل من يحكم بين الناس معرفة الواقع فيما يفتي فيه، ومعرفة حِيَل أهل الفجور والضلال والفساد في استخراج الأحكام والفتاوى التي تسوغ أفعالهم، ومعرفة عُرْف الناس في استخدام الألفاظ، فالواجب على العالم والمفتي والحاكم إذا عرضت عليه قضية أو سُئِل في حكم يتعلق بالواقع، أن يستقصي صفة هذا الواقع بالتفصيل قبل أن يُقْدِم على الحكم فيه، وهذا من مهمات الفتوى وشرط لتمكن الحاكم والمفتى من الإفتاء الصحيح.
ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم.