الصفحة 17 من 88

تخرجهم عن اتباع ما ورثوه من شرائع ودساتير عن الآباء والأجداد كما قال تعالى (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) [1] ، فما أشبه الجاهلية القديمة بالجاهلية الحديثة.

وقد عرفت المدنية ـ الجاهلية ـ الحديثة كثيرا ممن نازع الله تعالى في أمره وشرعه، فأينما قلبت وجهك رأيت كثيرا من الآلهة الباطلة ـ المماثلة لفرعون ـ والتي تزعم أن لها حق التشريع للناس من دون الله تعالى، والذين يقولون للناس ما نريكم إلا ما نرى وما نهديكم إلا سبيل الرشاد، والمرجع الأخير في هذه الجاهلية الحديثة إنما يكون لإرادة الشعب، فما حَكَمَ به الشعب أو نوابه فهو الحكم المهيمن على كل حكم سواه، ولو كان حكم الله تعالى، وهذا هو النظام السائد في كثير من البلدان التي تدعي أنها إسلامية، وهم يعتمدون النظام الديمقراطي الكفري أو الاشتراكي الملحد، ويصرحون ليل نهار أنهم لا يرون عنه بديلا، وهذا كفر بالله العظيم وبدينه القويم.

ولا يتحقق توحيد الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بالخلق والأمر والاعتراف له تعالى بالسيادة العليا والتشريع المهيمن، فلا حلال إلا ما أحله الله تعالى، ولا حرام إلا ما حرمه سبحانه، ومن سوغ للناس شريعة غير شريعة الله تعالى فهو كافر مشرك قد نازع الله تعالى في أخص صفاته سبحانه وتعالى، ولذلك فقد أخبر الله تعالى عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، وهذه الربوبية لم تكن في الاعتراف لهم بالخلق أو الرزق أو الإحياء والإماتة وإنما كانت في إعطائهم حق التشريع والتحليل والتحريم من دون الله تعالى، كما قال تعالى عنهم (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) [2]

إن الرضا بربوبية الله تعالى يعني الرضا بحاكمية الله تعالى المطلقة وهيمنة شريعته المنزلة على كل الشرائع، ويعني أيضا التسليم المطلق لأمره تعالى الذي أرسل به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويعني كذلك التحاكم إلى دينه الذي أنزل على رسوله دون شك أو تردد، ولذلك فقد حكم الله تعالى على من نازعه في حق التحليل والتحريم أنهم لا يؤمنون بالآخرة وأنهم مكذبون بآيات الله تعالى وهم بربهم يعدلون، قال تعالى (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) [3]

قال سيد قطب رحمه الله في بيان هذه الآية: هذا حكم الله على الذين يغتصبون حق الحاكمية، ويزاولونه بالتشريع للناس ـ دون اعتبار لدعواهم أن ما يشرعونه هو من شريعة الله ـ وليس بعد حكم الله رأي لأحد في هذه القضية الخطيرة.

فإذا أردنا أن نفهم لمإذا يقضي الله سبحانه بهذا الحكم، ولماذا يعدهم مكذبين بآياته غير مؤمنين بالآخرة، مشركين يعدلون بربهم غيره...فإن لنا أن نحاول الفهم، فتَدَبُّر حكمة الله في شرعه وحكمه أمر مطلوب من

(1) سورة البقرة، الآية: 170.

(2) سورة التوبة، الآية: 13.

(3) سورة الأنعام، الآية: 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت