الصفحة 43 من 45

حتى أن الله سبحانه ليتعرف إلى عباده في ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في هذه الدار، فهو يوم ظهور المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلى، فتأمل ما أخبر به الله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه، وظهور عزته وعدله، وفضله ورحمته، وآثار صفاته المقدسة، التي لو خُلقوا في دار البقاء لتعطلت، وكمال سبحانه ينفي ذلك، وهذا دليلٌ مستقلٌ -لمن عرف الله تعالى وأسماءه وصفاته- على وقوع المعاد وصدق الرسل فيما أخبروا به عن الله، فيتطابق دليل العقل ودليل السمع على وقوعه).

ويقول في موضوع ثالث: إن الله سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع التعبدات كلها، ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله، ولا يحسن ولا ينبغي إلا له وحده، ومن المعلوم أن من أنواع التعبد الحاصلة في دار البلاء والامتحان ما لا يكون في دار المجازاة، وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة، وكمالها وتمامها إنما في تلك الدار، وليست دار عمل وإنما هي جزاء ثواب وعقاب، أوجب كماله المقدس أن يجزي فيه:

{ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم: 21] .

فلم يكن بد من دار تقع فيها الإساءة والإحسان، ويجري على أهلها أحكام الأسماء والصفات، ثم يعقبها دار يجازى فيها المحسن والمسيء، ويجري على أهلها أحكام الأسماء والصفات، فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع ومستحيل، وهو تعطيلٌ لربوبيته وإلهيته وملكه وعزته وحكمته.

فمن فُتح له بابٌ من الفقه في أحكام الأسماء والصفات وعلم اختصاصها لآثارها ومتعلقاتها، واستحالة تعطيلها.. علِمَ أن الأمر كما أخبرت به الرسل، وأنه لا يجوز عليه سبحانه، ولا ينبغي لغيره، وأنه ينزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص، وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان فيفتحه الله على من يشاء من عباده ويحرمه من يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت