وقال ابن تيمية رحمه الله: لا خلاف بين المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف وهو مطلق أو مقيد يصح إسلامه وتقبل توبته من الكفر وإن كانت دلالة الحال تقتضي أن باطنه خلاف ظاهره.
وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل من المنافقين علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله مع إخبار الله له أنهم اتخذوا أيمانهم جنة، وأنهم (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) ، فعُلم أن من أظهر الإسلام والتوبة من الكفر قُبل منه ذلك. اهـ [1]
(1) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية /329، وقد قال ابن تيمية رحمه الله في بيان أسباب ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل المنافقين: ومما يوضح ذلك انه كان يعفو عن المنافقين الذين لا يشك في نفاقهم حتى قال: لو اعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت حتى نهاه الله عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وأمره بالإغلاظ عليهم، فكثير مما كان يحتمله من المنافقين من الكلام وما يعاملهم من الصفح والعفو والاستغفار كان قبل نزول براءة لما قيل له (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم) لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم وخشية نفور العرب عنه إذا قتل أحدا منهم، وقد صرح لما قال ابن أبي (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فانك لم تعدل وعند غير هذه القضية أنه إنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدا من الصحابة قد قتل، فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلكن فينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى، فلما أنزل الله براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم ولم يبق إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله (راجع الصارم المسلول ج2/440ـ441) ، وقال رحمه الله في موضع آخر في بيان سبب آخر: إن الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، ومعلوم أن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة فانه ما لم يظهر منه شيء البتة لم يكن لنا سبيل عليه فإذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل، وذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام له ظاهرا، لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهروه من الإسلام لكانوا بمنزلة الكفار وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون، والآية تقتضي جهادهم لأنهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى (جاهد الكفار والمنافقين) يقتضي جهادهم من حيث هم منافقون، لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على أن موضع الاشتقاق هو العلة، فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر لأجل الكفر، ومعلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركا له في الظاهر ولا يعلم ما يخالفه، أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركا للنفاق، لأن ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق، ولأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض وهو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا اظهر التوبة بعد أخذه لإقامة الحد عليه كما عرفت، ولأنه لو قبلت علانيتهم دائما مع ثبوت ضدها عنهم لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل، فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده، ويدل على ذلك قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل) دلت هذه الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فان الله يغري نبيه بهم وأنهم لا يجاورونه بعد الإغراء بهم إلا قليلا وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا وإنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق لأنه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم، وكذلك قال الحسن: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه وأسروه، وقال قتادة: ذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه، ولو كان إظهار التوبة بعد إظهار النفاق مقبولا لم يمكن أخذ المنافق ولا قتله لتمكنه من إظهار التوبة، لا سيما إذا كان كلما شاء أظهر النفاق ثم أظهر التوبة وهي مقبولة منه، يؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل جزاءهم أن يقتلوا ولم يجعل جزاءهم أن يقاتلوا ولم يستثن حال التوبة كما استثناه من قتل المحاربين وقتل المشركين (راجع الصارم المسلول ج3/658ـ660) ، وقال الشيخ حافظ بن احمد حكمي رحمه الله: وفي موطأ مالك ومسند أحمد بسند جيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول - صلى الله عليه وسلم - الله وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول - صلى الله عليه وسلم - الله فقال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله) فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أليس يشهد أن محمدا رسول الله) قال: بلى يا رسول الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أليس يصلي) قال: بلى يا رسول الله ولا صلاة له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) ، وفي الباب عن جماعة من الصحابة أحاديث من الصحاح والحسان وفيما ذكرنا كفاية، وأمرنا الله ورسوله في القرآن بالإعراض عن المنافقين في غير ما موضع مع إخباره بصفاتهم وتعريفه بسيماهم وعلاماتهم، ولم يقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا منهم وأجرى عليهم في الدنيا أحكام المسلمين الظاهرة، وكانوا يخرجون معه للحج والجهاد والصلاة وغير ذلك ويقيم الحدود عليهم غير أنه نهى عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم والله أعلم (راجع معارج القبول ج2/611، مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ج1/218ـ 219)