ومن ذلك أيضا ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوك" [1] "
فكرر النبى - صلى الله عليه وسلم - الأم هنا تأكيدا على أهمية الإحسان إليها، واعتناء بمقامها ومنزلتها 0
وفى قصة خِطبة بنى هاشم ابنتهم لعلى وكان علىٌ زوجا لفاطمة - رضي الله عنهم -، رفض النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر وكرر رفضه ثلاثا تأكيدا، واهتماما به، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا" [2] "
وقد قال الزمخشري:"النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها، ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم" [3]
وهكذا تبين أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة استخدما التكرار في نصوصهما، وجاء هذا الاستخدام في أرقى وأسمى صوره، ولم يضف التكرار على هذه النصوص رونقا وجمالا بقدر ما أضافت نصوص الكتاب والسنة لظاهرة التكرار من الجمال والروعة والثقة 0
ولو خلا القرآن أو السنة من أسلوب التكرار وهو أسلوب معروف لدى العرب، لوجدنا من يعترض على القرآن والسنة تجاهلهما لهذا الأسلوب البلاغى المعروف 0
(1) البخارى باب من احق الناس بحسن الصحبة برقم الحديث 5514
(2) البخارى باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة برقم الحديث 4829
(3) تفسير الزمخشرى 4/ 57 من تفسير سورة الزمر 0