قال أبو حيان:"أي لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم، عن ذكر الله وهو عام في الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات" [1] .
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي ومن تشغله الدنيا عن طاعة الله وعبادته، فأولئك هم الكاملون في الخسران، حيث آثروا الحقير الفاني على العظيم الباقي، وفضلوا العاجل على الآجل.
{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي وأنفقوا في مرضاة الله، من بعض ما أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من الأموال {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي قبل أن يحلَّ الموتُ بالإِنسان، وينزل بساحته فيقول حين الاحتضار وعند معاينة الملائكة {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} : يقول عند تيقنه الموت: يا ربِّ هلا أمهلتني وأخرت موتي إِلى زمنٍ قليل!! {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي فأتصدق وأحسن عملي، وأصبح تقيًا صالحًا.
فما من مفرطٍ إلا ويندم عند الاحتضار، ويسأل الإمهال ليستدرك ما فات، ولكن هيهات {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} أي ولن يمهل الله أحدًا أيًا كان إِذا انتهى أجله، ولن يزيد في عمره، وفيه تحريضٌ على المبادرة بأعمال الطاعات، حذرًا أن يجيء الأجل، وقد فرَّط ولم يستعدَّ للقاء ربه {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مطلعٌ وعالمٌ بأعمالكم من خير أو شر، ومجازيكم عليها.
وصدق من قال:
إلى كم أقولُ فلا أفعلُ ... وكم ذا أحومُ ولا أنزلُ
وأزجرُ عيني فلا ترعوي ... وأنصحُ نفسي فلا تقبلُ
وكم ذا تعلّلُ لي ويحَها ... بِعَلّ وسوف وكم تمطلُ
وكم ذا أؤمّلُ طولَ البَقَا ... وأغفلُ والموتُ لا يغفلُ
وفي كلّ يومٍ ينادي بنا ... منادي الرحيل ألا فارحلوا [2]
(1) - ... البحر المحيط للإمام أبي حيان 10/ 184
(2) - الأبيات للزاهد الأندلسي أبي عمران المارتلي.