دسائس ومكائد.
قال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } المنافقون: 7 - 8
لا يزال السياق في كشف أحقادهم الدفينة، ومؤامراتهم الدنيئة، ومكائدهم الخبيثة التي يسعون من خلالها: لخلخلة الصفوف، وزعزعة المجتمع، وإثارة الزوابع والتوابع، وتجفيف المنابع، ومحاصرة المدِّ الإسلامي، وتقويض شجرة الدعوة، ووأدِ طلائع النصرِ، وتضييق الخناق على الدعاة والمصلحين، وفضِّ الناس عن العلماء المخلصين، ونفيهم من البلدان، وإجبارهم على مفارقة الأوطان.
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} دعا المنافقون وحرَّضوا على قطع الإنفاق لفضِّ الناسِ عن دعوة الحق، وكأن الرزقَ بأيديهم!
{وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ...: خزائن كلّ شيء عنده، وكلّ شيء عنده بمقدار، لا ينزله إلا بقدر معلوم، فله تعالى خزائن السموات، وخزائن الأرض، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } الحجر: 21
{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وعنى بالأعزّ: نفسه ومن معه، وبالأذلّ: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، ومراده بالرجوع: رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل فردٌ من أفرادهم، وهو عبد الله بن أبيّ، لكونه كان رئيسهم وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله سامعون له مطيعون.
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} فالعزة لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، وله تعالى الغلبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين.
وقال الخازن:"فعزة الله تعالى قهره وغلبته على من دونه، وعزة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إظهار دينه على الأديان كلها وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم" [1] .
{وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وذلك من فرط جهلهم وغرورهم.
(1) - لباب التأويل في معاني التنزيل للإمام الخازن 6/ 107