وإذ نسخت آيتهم، وجرى تجاوزهم بعد كل ما فعلوا يبدأ إعداد الملة الحقيقيَّة لإبراهيم، الملَّة الموحّدة، وذلك بالتحوُّل إلى ذريّة إسماعيل، والإعداد للتخلي عن القبلة، وسائر الرموز والتشريعات التي ارتبطت ببني إسرائيل. ويبيَّن أن هذا البيت الحرام هو بيته الذي أمر إبراهيم وإسماعيل ببنائه في الأرض الحرام، وهي أهم وأفضل من الأرض المقدسة، وهذا البيت أفضل وأهم من المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. والبركات التي حلت به بدعاء إبراهيم أكثر مما أصاب أهل المسجد الأقصى. وأكد على أن هذه الأمَّة هي البديل الشرعيُّ لتلك الأمّة التي نسخت آياتها. فهي الأوثق صلة بإبراهيم وهي الأحق به والأولى بميراثه. وأن بعثة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلَّم - هي الاستجابة الإلهية لدعوة سيدنا إبراهيم. وبين كيف انحرف بنو إسرائيل عن وصية إبراهيم ويعقوب الذي عاهده بنوه عند موته أن يعبدوا إلهه وإله آبائه فلم يوفوا بعهدهم ودعا اليهود منهم إلى اليهوديَّة وزعموا أن إبراهيم كان يهوديًّا ودعا النصارى إلى النصرانيّة وزعموا أن إبراهيم كان نصرانيًّا وتجاهلوا ملة إبراهيم التوحيديَّة، وأنكروا رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلَّم.
ثم أمرت الأمَّة البديلة أن تعلن إيمانها بجميع الأنبياء والرسل وأن تكون أمة مسلمة موحدة.
ثم يبدأ الجزء الثاني بمناقشة اعتراضاتهم على تحويل القبلة، ويبيّن أن هذه الأمّة قد احتلت موقع الخيريّة والوسطية، واستحقت منصب الشهادة على الناس، وورثت الكتاب وتراث النبوات، فلتستقبل بيت الله الذي أمر إبراهيم وإسماعيل برفع قواعده وبنائه.
ثم يأتي التعليل لاتخاذ قبلتهم في بادئ الأمر، وأنّه لم يؤد إلى تفهمهم لرسالة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلَّم - ولا لصلته بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، وإرثه لذلك كلّه. وانتقال القبلة من المقدس إلى المحرَّم انتقال له دلالات كبيرة، خاصّة بعد طيّ صفحة بني إسرائيل. إنّه انتقال عن استقبال ما هو أدنى بما هو أعلى.