عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أَوْ قَالَ: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا" [1]
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 415) 3280 - 1162 - [ش أخرجه مسلم في الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء رقم 2012. (استنجح) أظلم. (جنح الليل) ظلامه وقيل أول ما يظلم. (فكفوا صبيانكم) ضموهم وامنعوهم من الانتشار. (أوك .. ) من الإيكاء وهو الشد والوكاء اسم ما يشد به في فم القربة ونحوها. والسقاء ما يوضع فيه الماء أو اللبن ونحو ذلك. (خمر) من التخمير وهو التغطية. (تعرض عليه شيئا) تجعل على عرض الإناء شيئا كعود ونحوه امتثالا لأمر الشارع]
معنى الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أمر إرشاد وتوجيه أن نمنع أطفالنا عن الخروج من البيوت عند أول غروب الشمس وإقبال ظلمة الليل، لأن الشياطين والأرواح الخبيثة المؤذية تنتشر في أوّل الليل محاولة الشر والإِفساد والإِضرار بالناس، لا سيما الأطفال لضعفهم، فإذا مضت ساعة بعد الغروب سمح لهم بالخروج. ثم هو - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أيضًا بإغلاق بيوتنا، وقفل أبوابها، لا سيما بالليل، لمنع اللصوص والمعتدين من دخولها، وإطفاء مصابيحنا عند النوم احتياطًا وحذرًا من الحريق. ووضع جميع المشروبات التي نتناولها في أوان مغلقة محكمة خوفًا من أن يتسرب إليها بعض الحشرات والميكروبات، وتغطية الأطعمة حتى لا تتلوّث بسقوط الأقذار والجراثيم فيها.
وأن نذكر اسم الله تعالى عند كل عمل من أعمالنا هذه أو غيرها نستعيذ به ونعتمد عليه في حمايتنا (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) .
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الشياطين، وكونها مخلوقات شريرة مؤذية للإِنسان وأطفاله. ثانيًا: أنه ينبغي حفظ الأطفال في المنازل، ومنعهم من الخروج منها بعد غروب الشمس مباشرة لمدة ساعة، لأن الشياطين تنتشر في ذلك الوقت فتؤذيهم جسميًا ونفسيًا لضعفهم وسرعة تأثرهم. ثالثًا: يرشدنا - صلى الله عليه وسلم - إلى اتخاذ كل الوسائل المادية لحفظ النفس والمال والصحة، فمن ذلك إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وتغطية الإِناء، وربط السقاء كما قال - صلى الله عليه وسلم:"وأوك سقاءك، واذكر اسم الله"صيانة للماء من التلوث في أي وعاء كان، وقال - صلى الله عليه وسلم:"وخمر إناءك"فأمر بتغطية وعاء الطعام لحفظه من الحشرات والميكروبات. رابعًا: مشروعية الجمع بين اتخاذ الأسباب والتحصن بذكر الله تعالى وأسمائه، والتوكل عليه، حيث قال:"وأغلق بابك، واذكر اسم الله"أي اجمع بين الوقاية المادية والوقاية الروحية لتشملك العناية الإلهية. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 173)
وفي هذا الحديث ما يدل على أنه ليس لأحد أن يقول: إنني أترك بابي غير مغلق مدعيا أنه يفعل ذلك متوكلا؛ فإن ذلك مطية ولوج الشيطان إلى داره وإلى قلبه، وكذلك في الأسقية والأواني وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقوم الأمور على قوانين انتهت إليها، فالتوكل إنما هو لمعالم حكمة الله عز وجل، فإذا أراد العبد أن يهدم معلما من معالم الله عز وجل بما توسوس له نفسه فيما يدعيه توكلا، لم يكن توكله ثمنا لما هدمه من الأمر المسبب في العالم. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 252)