الصفحة 16 من 73

ولقد منع زكريا - عليه السلام - من الكلام ولذلك حكمة بليغة فللصمت فوائده العديدة، ففيه وقفةٌ مع النفس، وهدوء البال، وسكينة الفؤاد، واجتماع القلب، وانطلاق الفكر، وصفاء العقل، ومن هنا فمنع زكريا - عليه السلام - من الكلام من تمام نعمة الله عليه ورعايته له 0

الدعوة في صمتٍ!

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) }

نبي الله زكريا - عليه السلام - رغم منعه من الكلام إلا أنه يواصل ذكر الله - عز وجل - ويأمر الناس به حيث يشير إليهم بما يفهم منه المدوامة على الذكر، وتأملْ كيف يواصل زكريا ذكر الله حتى وهو ممنوع عن الكلام فالذكر من أيسر العبادات ومن أعظمها أجرا 0

والعشي: من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، وأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فسمى ما بعد الزوال عشاء لاتصاله بالظلمة، وأما الإبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء.

يواصل - عليه السلام - دعوة قومه إلى ذكر الله - عز وجل -، وحين يمتنع عن الكلام فإن الإشارة توصل إلى المطلوب (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا(11 ) ): أشار إليهم أن يداوموا على التسبيح في جميع الأوقات، وإنما خص التسبيح من بين سائر الذكر ليتناسب مع هذه الآية العجيبة التي تستنطق الأفواه بالتسبيح؛ تعجبا من قدرة الله وتنزيها له تعالى، فيتعايش الناسُ مع هذا الحدث الجليل، في ظلِّ هذه الرحمةِ الربانية، ويستنشقون عبير هذه النفحة القدسية 0

الرحمة منبع الفضائل

قال تعالى {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) }

طوى السياق ذكر ولادة يحيى - عليه السلام - وما صاحبها من بهجةٍ وسرور، ثم نموه وترعرعه إلى أن وصل إلى سن الطلب والتحصيل، فأُمِر بالجد والاجتهاد والعزم والرشاد.

يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ

أُمِرَ يحيى بأخذ التوراة بجدٍّ واجتهاد وحرصٍ على فهمها والعمل بها ودعوة الناس إليها.

{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}

منَّ الله تعالى عليه منذ صباه - عليه السلام - بالحكمة والمعرفة وحسن التدبير والحزم والعزم في الأمور.

{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت