والإجازاتِ والإسنادِ والرحلةِ والجرحِ والتعديل [1] ، التي هي مِن خصائص هذه الأمة، وكلُّ هذه العلوم مِن فرض الكفاية، فيَنبغي ويجبُ علينا أنْ نحافظَ عليها لأنها فرض كفاية ولأنها مِن خصائص هذه الأمة حتى نوصلها كالمَحَجَّةِ البيضاء إلى مَن بعدَنا كما تَلقّيناها ممن قبلَنا.
أي: إذا قلنا بصحةِ التلقّي مِن التسجيلات فهذا يَعني أنْ نُسجِّلَ اليومَ لجميع العلماءِ الموجودين جميعَ الكتب، ثم ننشرَ هذا التسجيل، وبذلك تَنتهي الرحلة وينتهي الإسناد وتنتهي حاجتُنا لتمييز الراوي المقبول مِن غيرِه، كما ويمكن لأيّ شخص _حتى لو عاش بعدَ ألف سنة من الآن! _ أن يقول:"سمعتُ المحدِّث يقول قبلَ ألف سنة! الأحاديث التالية ...."، وبذلك نكون قد ضحكنا على أنفسنا وخَدَعْنا عِلمَنا بأن قَبِلنا وصَحَّحنا السماعَ والتحديثَ والمشافهةَ بين رجلَينِ بينهما ألفُ عام! وهذا هو الانقطاعُ عينُه، فكيف نجعله مسنَدًا متّصلًا ولو تَيَقّنّا من صحّة التسجيل؟! فهذا لا يختلف عن يقيننا بالمنقول بالتواتر، ومع هذا لا يصحّ أن نقول:"سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا"حتّى الأحاديثَ المتواترةَ لفظًا، أو حتى القرآنَ الكريمَ كما سبق [2] .
(1) الاحتجاج على فساد الرأي بـ (أنه يُؤَدِّي إلى بطلان جانبٍ مِن جوانب العِلم) مقبولٌ وصحيحٌ، وقد فعله علماءُ الحديث، فهذا الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 173 يقول:"والذي نستحبُّه طلبُ العالي؛ إذ في الاقتصار على النازل إبطالُ الرحلةِ وتركُها". فلمّا كانت الرحلةُ مُستَحَبَّةً كان ما يَحفَظُها مُستَحبًّا أيضًا، وأمّا في مسألتنا فالتلقِّي والمشافهةُ والإسنادُ مِن فروضِ الكفايةِ وهي مِن خصائص هذه الأمةِ، لذلك فإنّ ما يَحفَظُها يكون مِن فروض الكفاية أيضًا، أي: يَحرمُ ما يُبطِلُها ويُلغِيها، وهو المطلوبُ إثباتُه، وقد سَبَقَ كلامُ عبد الفتاح أبو غدة ص 71، والله أعلم.
(2) في المطلب الأول من المبحث الأول من الفصل الأول ص 11.