الصفحة 84 من 376

قد اضطهدوا ظلما وعدوانا، وأن النظام السوفيتي لم يعترف أبدا بمسؤوليته عن مثل تلك الجرائم الفظيعة. كما أدرك الناس أن نوعا جديدا من النظام الطبقي قد ظهر في هذا المجتمع الذي يزعم خلوه من الطبقات، وأعني طبقة موظفي الحزب بمفاسدهم وامتيازاتهم التي لا تقل عن مفاسد رجال العهد البائد و امتيازاتهم، وإن كانوا أكثر نفاقا بكثير من رجال العهد البائد.

وللتدليل على ذلك لننظر إلى استخدام السوفييت في عهد جورباتشوف لكلمات مثل، التحول الديموقراطي • (Demokratizatsiya) التي ظل جورباتشوف دوما يستخدمها في تحديده لأهدافه. لقد كان لينين - بطبيعة الحال. يزعم أن الاتحاد السوفيتي قد حقق شكلا من الديموقراطية عن طريق ديكتاتورية الحزب أصدق من الديموقراطيات و الصورية، في الغرب. ومع ذلك فما من شخص في الاتحاد السوفييتي اليوم يستخدم عبارة و التحول الديموقراطي، يتوهم انها تعني أمرا غير الديموقراطية الغربية وليس المركزية اللينينية. كذلك فإن السوفييت اليوم يفهمون كلمة و اقتصادي 0 (كما في عبارة «الاعتبارات الاقتصادية، أو «الظروف الاقتصادية المثلى،) على أنها تعني، الكفاءة، بالمفهوم الذي حددته قوانين العرض والطلب الرأسمالية. أضف إلى ذلك أن الشباب السوفييتي الذي أصابه اليأس نتيجة نوعية الحياة المتدهورة في الاتحاد السوفييتي، سيخبرك أن مطمحهم الأوحد هو العيش في دولة، عادية،، أي في ديموقراطية ليبرالية لم تشوهها الأيديولوجية الماركسية اللينينية. وقد أخبرتني صديقة سوفييتية عام 1988 أنها وجدت صعوبة كبرى في إقناع أطفالها بعمل الواجبات المدرسية في البيت نظرا إلى أن الكل يعلم، أن الديموقراطية تعني أن باستطاعتك أن تفعل ما تريد ..

والأهم من ذلك أن السخط لم يقتصر على ضحايا النظام وإنما تعداهم الى المستفيدين منه أيضا. فألكسندر باکفلوف عضو المكتب السياسي من سنة 1986 إلى سنة 1990 ومهندس سياسة الجلاسنوست، وإدوارد شيفرنادزه وزير الخارجية الذي شرح سياسة و الفكر الجديد،، وبوريس يلتسين رئيس جمهورية روسيا، كلهم قضوا حياتهم في قلب جهاز الحزب الشيوعي. فهؤلاء الساسة، شأن أعضاء كورتيز فرانكو أو الجنرالات الأرجنتينيين واليونانيين الذين تخلوا طواعية عن سلطاتهم، كانوا يدركون أن ثمة داء عضالا في قلب النظام السوفييتي، وولوا مناصب ذات مسئوليات جسيمة حتى يتمكنوا من عمل شيء لعلاج الأمر. ولم تفرض الجهود الإصلاحية في أواخر الثمانينيات على الاتحاد السوفييتي من الخارج، رغم أن المنافسة مع الولايات المتحدة أوضحت الحاجة إلى الإصلاح. وإنما جاءت هذه الجهود نتيجة أزمة ثقة في الداخل انتشرت عدواها فشملت قطاعا واسعا من الصفوة السوفيتية من الجيل السابق.

إن زعزعة شرعية النظام لم يخطط لها مسبقا ولا هي حدثت بين عشية وضحاها. فقد لجأ جورباتشوف في باديء الأمر إلى استخدام الجلاسنوست وشعار التحول الديموقراطي كأداتين لتعزيز مركزه في الزعامة، ثم لتعبئة طاقات المعارضة الشعبية للبيروقراطية الاقتصادية المحصنة. وهو في هذا إنما كان يتبع نفس الأساليب التي استخدمها خروتشوف في الخمسينيات (12) . غير أن هذه الخطوات الأولية في سبيل التحرير السياسي (وهي خطوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت