الصفحة 48 من 376

وبدلا من الإيمان بتاريخ بشري يتجه نحو غاية واحدة، بدا وكأن الأهداف تعددت بقدر تعدد الشعوب والحضارات، وليس للديموقراطية الليبرالية بينها أي وضع متميز.

وفي عصرنا هذا كان من أبرز مظاهر تشاؤمنا، ذلك الاعتقاد السائد في كل مكان تقريبا في دوام بحيل شيوعي شمولي قوى للديموقراطية الليبرالية الغربية , وقد حذر هنري كيسنجر في السبعينيات، عندما كان وزيرا للخارجية الأمريكية، الأمريكيين من، أننا نواجه اليوم، ولأول مرة في تاريخنا، حقيقة سافرة، هي أن التحدي [الشيوعي] لن تكون له نهاية ... وعلينا أن نتعلم كيف تصرف سياستنا الخارجية كما صرفتها الدول الأخرى على مدى قرون عديدة، دون تهرب، ودون هوادة ... ذلك أن الوضع الحالي لن يتغير , (1) . فكيسنجر إذن كان يرى أنه من قبيل المثالية الخيالية محاولة إصلاح الانظمة السياسية والاجتماعية الأساسية في الدول الكبرى المعادية كالاتحاد السوفييتي، ويرى أن النضج السياسي يعني قبول العالم على النحو الذي كان عليه وليس على النحو الذي نريده له، وهو ما يعني التفاهم مع الاتحاد السوفيتي في ظل حكم بريجنيف. لقد كان يرى أنه على الرغم من إمكان التحكم في درجة الصراع بين الشيوعية والديموقراطية، إلا أنه لا يمكن القضاء نهائيا على هذا الصراع وعلى احتمال نشوب حرب مروعة.

ولم ينفرد كيسنجر بهذا الرأي، إذ يكاد يكون كافة المشتغلين بدراسة علم السياسية وممارسة السياسة الخارجية من الذين آمنوا باستمرار الشيوعية. ولذا فقد جاء انهيارها العالمي في نهاية الثمانينيات أمرا يكاد يكون مفاجئا تماما. ولم يكن هذا الفشل من جانبهم في توقع الانهيار يتعلق بمجرد عقيدة أيديولوجية عكر صفو النظرة. الموضوعية الهادئة و إلى الأحداث، فهو فشل قد اشترك فيه أناس من كافة المذاهب السياسية، من اليمين واليسار والوسط، صحفيون و علماء، وسياسيون من الشرق والغرب (12) . والواقع أن جذور هذا العمى الشائع، كانت أعمق من مجرد الهوى المذهبي، وكانت ترجع إلى ذلك التشاؤم التاريخي المذهل الذي ولدته أحداث هذا القرن.

بل إنه حتى فترة قريبة جدا في عام 1983، طلع علينا جين فرانسوا ريفيل يقول إن و الديموقراطية قد يتضح أنها مجرد مصادقة تاريخية، أو جملة اعتراضية قصيرة انقضي أجلها أمام أعيننا , (13) ... صحيح أن اليمين بطبيعة الحال لم يصدق في أي وقت من الأوقات أن الشيوعية حققت أي قدر من الشرعية في أعين الشعوب التي تحكمها، وأن هذا اليمين كان يرى بوضوح أوجه القصور الاقتصادية في المجتمعات الاشتراكية. غير أن الكثيرين من أهل اليمين ظنوا أن «مجتمعا فاشلا، كالاتحاد السوفييتي قد وجد مع ذلك مفتاح السلطة والقوة بفضل اختراع الشمولية اللينينية التي مكنت عصبة صغيرة من: البيروقراطيين المستبدين و من الاستفادة من سلطان التنظيم الحديث والتكنولوجيا في التحكم في أعداد غفيرة من الناس إلى ما لا نهاية، وقد نجحت الشمولية ليس فقط في إرهاب الشعوب الخاضعة لها، وإنما أيضا في إجبارها على تبني فيم سادتها الشيوعيين، وهذا هو بالضبط أحد الفوارق التي أشارت اليها جبن كيركباتريك في مقال شهير لها نشرته عام 1979، وتفرق فيه بين الأنظمة الديكتاتورية التقليدية اليمينية، وبين الأنظمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت