الديموقراطية أكثر فعالية في المجتمعات التي، يولد فيها الناس متساوين في الحقوق، كالولايات المتحدة، يثير التساؤل حول كيفية وصول الأمم أصلا إلى خلق مثل هذه المجتمعات، وبالتالي فإن الديموقراطية لا تصبح بالضرورة أكثر فعالية كلما ازداد المجتمع تعقيدا وتنوعا في تكوينه. بل إنها لتفشل حين يتعدى التنوع حدا معينا.
أما الحجة الثانية المذكورة بين الحجج عالية، والقائلة بأن الديموقراطية تظهر في النهاية كنتيجة ثانوية، للصراع على السلطة بين مجموعات لا ديموقراطية من الصفوة اليسارية أو اليمينية، فهي أيضا لا تكفي لشرح السبب في حتمية التطور العالمي صوب الديموقراطية الليبرالية. فالديموقراطية وفق هذه الحجة ليست هي النتيجة المفضلة لدى الجماعات المتصارعة على القيادة في الدولة، بل هي نوع من الهدنة بين أطراف متحاربة، ويمكن أن يهددها تغير ميزان القوي تغير أ يسمح لجماعة أو صفوة معينة بالعودة إلى الظهور ظافرة. وبعبارة أخرى تقول إنه لو أن الديموقراطية قامت في الاتحاد السوفييتي لمجرد أن شخصيات طموحة مثل جورباتشوف ويلتسين بانت في حاجة إلى عصا ديماجوجية لضرب جهاز الحزب الرسمي، فإن أنتصار هذا أو ذاك سيطيح بالمكاسب الديموقراطية. كذلك فإن هذه الحجة تفترض أن الديموقراطية في أمريكا اللاتينية ليست إلا حلا وسطا بين اليمين الديكتاتوري النزعة واليسار الديكتاتوري النزعة، أو بين جماعات قوية يمينية لدى كل منها تصور عن المجتمع يفضله على غيره ويسعى إلى فرضه متى تحقق له الوصول إلى الحكم، وقد تكون هذه صورة دقيقة للمسار نحو الديموقراطية في دول بعينها، غير أنه مالم تكن الديموقراطية هي النظام المفضل على غيره عند فريق ما فلن تصبح مستقرة أبدأ. ولا يصلح هذا التفسير أبدا أساسية لتوقعنا أن يكون ثمة تطور عام في هذا الاتجاه (30) .
أما الحجة الأخيرة القائلة بأن تقدم التصنيع يخلق طبقة متوسطة متعلمة تميل بطبيعتها إلى تفضيل الحقوق الليبرالية والمشاركة الديموقراطية، فهي حجة صحيحة إلى حد معين. صحيح أن التعليم هو على أقل تقدير من اللوازم المرغوب جدا فيها للديموقراطية حتى وإن لم يكن شرطا ضرورية لها، حيث إنه من الصعب أن نتخيل نجاح الديموقراطية في مجتمع معظم أفراده من الأميين غير القادرين على الاستفادة من المعلومات المتوافرة عن الخيارات المفتوحة أمامهم. غير أنه من الخطأ القول بأن التعليم يؤدي بالضرورة إلى الإيمان بالمبادئ الديموقراطية. والواقع أن ارتفاع مستوى التعليم في دول مثل الاتحاد السوفييتي والصين وكوريا الجنوبية وتايوان والبرازيل كان وثيق الارتباط بنشر المبادئ الديموقراطية. غير أن الأفكار الأثيرة في الوقت الحاضر في معاهد العلم قد تصادف ميلها الآن إلى الديموقراطية. ولذا فإنه ليس من المستغرب أن نرى طالبا من تايوان قد حصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس يعود إلى بلاده مؤمنا بأن الديموقراطية الليبرالية تمثل أعلى صور التنظيم السياسي للدولة الحديثة. غير أن هذا يختلف تماما عن القول بأن ثمة صلة , حتمية و بين تدريبه الهندسي الذي سيأتي بالخير للاقتصاد التايواني وبين إيمانه الجديد بالديموقراطية الليبرالية. فالاعتقاد بأن التعليم يؤدي بالضرورة إلى القيم الديموقراطية يعكس قدرا كبيرا من الغرور لدى المؤمن بالديموقراطية , ذلك أنه في أزمنة أخرى لم تكن الأفكار