فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 79

لي من نصف النّهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النّصارى من نصف النّهار إلى صلاة العصر قيراط قيراط. ثمّ قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الّذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرّتين. فغضبت اليهود والنّصارى فقالوا: نحن أكثر عملا وأقلّ عطاء، قال اللّه: هل ظلمتكم من حقّكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنّه فضلي، أعطيه من شئت» «رواه البخاري. انظر الفتح 6 (3459) ، ويعلّق على هذا الحديث الحافظ ابن كثير رحمه اللّه فيقول: «والمراد من هذا التّشبيه بالعمّال تفاوت أجورهم وأنّ ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلّته بل بأمور أخر معتبرة عند اللّه تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذّهب مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعثه اللّه على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستّين على المشهور وقد برز في هذه المدّة الّتي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النّافعة والأعمال الصّالحة على سائر الأنبياء قبله حتّى على نوح الّذي لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ويعمل بطاعة اللّه ليلا ونهارا، صباحا ومساء صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين. فهذه الأمّة إنّما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيّها وشرفه وعظمته كما قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «سورة الحديد (الآية: 28 - 29) . «انظر البداية والنهاية لابن كثير (2/ 135) .

-عن أبي موسى- رضي اللّه عنه-؛ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى اللّيل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النّهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الّذي شرطت لنا وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقيّة عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقيّة يومكم هذا ولكم الّذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتّى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الّذي جعلت لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقيّة عملكم فإنّ ما بقي من النّهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقيّة يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتّى غابت الشّمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم «ورد في رواية الإسماعيلي: «فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى اللّه وما جاء به رسوله ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم اللّه» . أوردها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/ 525) .» ومثل ما قبلوا من هذا النّور» «رواه البخاري. انظر الفتح 4 (2271) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه ضمن شرحه لهذا الحديث « .. . وفي هذا الحديث تفضيل هذه الأمّة وتوفير أجرها مع قلّة عملها» «انظر فتح الباري (4/ 525) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت