ومجرد حكاية ما قالوا ليس دليلا على جواز ما قالوا ولم يمدح القرآن قولهم، ولم يقره بل السياق يشعر بذمه فإنَّ الله َ- عَزَّ وَجَلَّ - لمْ يَصِفْ أُوْلئِك َ المتغلبيْنَ، بوَصْفٍ يُمْدَحُوْنَ لأَجْلِهِ، وَإنمَا وَصَفهُمْ باِلغلبةِ! وَإطلاقهَا دُوْنَ قرْنِهَا بعَدْل ٍ أَوْ حَقّ: يدُلُّ عَلى التَّسَلطِ وَالهوَى وَالظلمِ، وَلا يدُلُّ عَلى عِلمٍ وَلا هُدَى، وَلا صَلاحٍ وَلا فلاح [1] .
قال ابن رجب - رحمه الله: (فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة وإتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى) [2] .
و الآية الكريمة تدل أن بناء المساجد على القبور قد وقع في الأمم السابقة، وهذا موافق للحديث: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» [3] ، والسنة موضحة للقرآن، وعليه فما فعلوه أهل الغلبة على الأمر من فعل شرار الخلق، وليس بصواب.
ويمكن أن يقال: الآية حكت القول دون استرسال فيه لفحشه، ولم تصرح بفحشه لوضوحه فاكتفت بذكره و ذكره قائله.
وعلى التسليم الجدلي بأن الآية تدل أن من شرع من قبلنا جواز اتخاذ مساجد على القبور فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، و اتخاذ المساجد على القبور قد خالف شرعنا لاستفاضة النصوص في النهي عن ذلك فلا حجة فيه.
(1) - مجانبة أهل الثبور للراجحي ص 128
(2) - فتح الباري لابن رجب 3/ 193
(3) - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528