ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا.
ومنها: أنه قرن في اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها [1] . فهما في اللعنة قرينان. وفى ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالي عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: {لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] .
ومنها: أنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -قال:"اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِى وَثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" [2] .فذكره ذلك عقيب قوله:"اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد"تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.
وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة:"لا تفعلوا"وصيغة:"إنى أنهاكم"ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع
(1) - عن ابن عباس قال: لَعَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائراتِ القبورِ والمتخذين عليها المساجَدَ والسُّرُج. رواه أحمد في مسنده رقم 2030 وقال المحقق أحمد شاكر إسناداه صحيحان 2/ 491،ورواه أبو داود في سننه رقم 3236 و قال المحقق شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره 5/ 139،ورواه النسائي في سننه رقم 2043 ورواه الترمذي في سننه رقم 320 وقال الترمذي: هذا حديث حسن ورواه ابن حبان في صحيحه رقم 3179،وواه الطبراني في المعجم الكبير رقم 12725،ورواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 7206،وقد ضعف الألباني الحديث فقال: هذا الحديث على شهرته ضعيف الإسناد فإنه من رواية أبي صالح باذام عن ابن عباس وباذام ضعفه الجمهور بل اتهمه بعضهم بالكذب كما ذكرته في"أحكام الجنائز"وفصلته في"التعليقات الجياد"ويراجع له"تهذيب السنن"و"التلخيص". تمام المنة للألباني ص 297
(2) - رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلًا رقم الحديث 593 ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلًا و قال الألباني في المشكاة حديث رقم 750: صحيح ص 234