أحكم وأدق من الكتابة، وبيان ذلك على النحو التالي:
أ- إن المعوّل عليه في صيانة الحجة والمحافظة عليها من التبديل والخطأ هو عدالة حامليها وضبطهم وحرصهم وورعهم، يستوي في ذلك حفظ الصدر وكتابة القلم، فإذا اجتمع ذلك، أي حفظ الصدر مع عدالة النقلة، أو الكتابة مع عدالة النقلة كان ذلك منتهى المحافظة، أما إذا انتفت العدالة فلا يوثق حينئذ بحفظ ولا كتابة، ولا تُجدي الكتابة حينئذ بمجرّدها ولم نأمن من العبث والتبديل، ولذلك فإن التشدد في أوصاف الرواة كان معيارا لازما لقبول كل حديث، سواء روي حفظا أو كتابة.
ومما يؤكد أن الكتابة وحدها لا تجدي إذا انتفت العدالة أن اليهود والنصارى كانوا يكتبون التوراة والإنجيل ويحرفون فيها لعدم وجود العدالة، قال تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [1] .
وكم من مكتوب اليوم في الكتب والجرائد والمجلات مليء بالكذب والخلط والتزوير! فالكتابة وحدها إذًا لا تفيد القطع بصحة المكتوب إلا إذا نقلها عدول أمناء.
ب- إن الكتابة دون الحفظ من حيث القوة، وهذا أمر قررهُ أهل العلم ويشهد له الواقع أيضا.
-أما من حيث تقرير أهل العلم، فقد أجمع المحدثون على أن الرواية المأخوذة عن حفظ (مع عدالة الناقل طبعا) أقوى درجة من الرواية بالمكاتبة.
كما اتفق الأصوليون عند الكلام على طرق ترجيح الأخبار أنه إذا تعارض خبران وكان أحدهما مرويا بالسماع والآخر مرويا بالكتابة أنه يقع ترجيح الخبر المروي سماعا.
-ومن حيث الواقع يدرك كل منا من نفسه أنه أكثر إتقانا لما يحفظه عن ظهر قلب مما يكتبه، بل إنه قد يكون حافظا للشيء عن ظهر قلب فإذا كتبه
(1) البقرة: (79) .