قلت: وليس معنى كلام ابن عبدالبر أن قدم المرأة عورة في الصلاة فقط، بل معناه - والله أعلم - أن هذا الحديث دليل على أن قدم المرأة عورة مطلقًا، وبالتالي لا يجوز كشفه في الصلاة.
فإذا تقرَّر هذا: فَسِترُ وجه المرأة من باب أولى؛ لأنه مَجمَع الزينة، ولا يتصوَّر من الشارع الحكيم أن يأمر المرأة بستر قدميها، ثم يُبيح لها كشف وجهها!
الدليل الثالث:
قوله - سبحانه وتعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] .
قال أبو الفداء ابن كثير:"كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تَمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته ضربت برجلِها الأرض فيسمع الرجال طنينَه، فنهى الله المؤمنات عن مِثْل ذلك، وكذا إذا كان شيءٌ من زينتِها مستورًا فتحرَّكت بحركة لتُظهِر ما هو مخفيٌّ؛ دخل في هذا النهي" [1] .
وقال أبو محمد ابن حزم في هذه الآية:"نصٌّ على أن الرِّجلَين والساقين مما يُخفى ولا يَحِلُّ إبداؤه" [2] .
قلت: فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالرِّجل؛ لئلا تُعلم الزينة المَخفيَّة كالخلخال، فمن باب أولى ستر الوجه؛ لأنه مجمع الزينة كما تقدم، هو أعظم فتنة من الخلخال بالنسبة للرجال.
فهذه الأدلة وغيرها تدلُّ على وجوب ستر المرأة لجميع جسمها، ومنه الوجه.
وفي هذا الحكمة البالِغة، والمصلحة التامة، من صيانة المرأة والحفاظ عليها، وفيه الحفاظ على الرجال من الوقوع في الفتنة، وهذا بدَوره يؤدِّي إلى حفظ المجتمع وصيانته، فعلى المرأة التزام هذا والعمل به، وعلى وليِّها أَمرُها بذلك.
ثم أين هؤلاء الذين يُفتون بجواز كشف الوجه في هذا الوقت، من النظر في الواقع، والتأمُّل في تصرفات النساء اليوم من كشفهِنَّ لوجههنَّ، وتساهلِهنَّ بشروط ذلك.
وإذا أخذ العالم والمفتي في اعتباره مواطن الاتفاق التالية:
-أن تغطية الوجه هو الأفضل، فهو يدور بين الوجوب والاستحباب.
(1) تفسير القرآن العظيم (6: 49) .
(2) المحلى (3: 217) .