وصورتها: إنه عندما ينصُّ الله - عز وجل - على العلة في واقعة ما، وتحقَّقت هذه العلة بعينها في واقعة أخرى، فهل إلحاق هذه الواقعة الجديدة بالأولى المنصوص عليها، يكون من قبيل النص؛ فيكون الحكم عامًّا لغير محلِّ التنصيص؟ أم تكون مُلحَقة بها على سبيل القياس؟ قولان.
والأقرب في هذا التفصيل؛ حيث إن هذه المسألة على ثلاث صور:
الصورة الأولى:
أن تكون العلة في الواقعة الجديدة أكبر وأظهر منها في الواقعة الأولى، فلا شكَّ أن حُكْمها مثل الأولى، فيكون منصوصًا عليها، وليسَت مُلحَقة بها على سبيل القياس.
والخلاف في هذه الصورة ضعيف، وإنما يُخالِف في هذا أبو محمد بن حزم وأمثاله.
ومثال ذلك: أن الله - عز وجل - نهى الإنسان أن يقول لوالدَيه كلمة أفٍّ؛ كما في قوله - سبحانه وتعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] فمَن ضربَهما - والعياذ بالله - فيكون داخلًا في نصِّ النهي من باب أولى.
ومثاله أيضًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد، فمَن تغوَّط فيه فإنه يكون داخلًا في نصِّ النهي من باب أولى.
وهذه المسألة التي معنا من هذه الصور، فإنه إذا كان في الحجاب طهارة لقلوب الصحابة رضي الله عنهم - وهم مَن هم في الفضل وعلوِّ المكانة - ولقلوب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم - وهنَّ مَن هنَّ في الطهارة والعفة - فكيف بمن جاء بعدهم وبعدهنَّ، ممَّن هو دونهم ودونهن بكثير، فمن باب أولى أن يعمَّهم الحكم.
الصورة الثانية:
أن تكون العلَّة في الواقعة الجديدة مثلها في الواقعة الأولى، فهذه فيها الخلاف السابق.
وهو خلافٌ صوري؛ إذ نتيجة الحكم واحدة، وهو أن حكم الواقعة الجديدة كالأولى، إلا أن بعضهم يراه من قبيل العموم، وبعضهم يراه من قبيل القياس، والله أعلم.
الصورة الثالثة:
أن تكون العلة في الواقعة الجديدة أقل منها في الواقعة الأولى، فهذه لا تلحق بها في الحكم.
2 -إن الله تعالى لم يُفرِّق بين نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهنَّ، فقال - سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59] ، قال ابن جرير: