بالقراءة والاطلاع، ورزقه الذكاء والذاكرة العجيبة، وسرعة الاستيعاب، فلم تكن إلا سنون حتى جمع علمًا غزيرًا، وكان هيابًا للاجتماع بالناس، فأعطاه الله القدرة على مخاطبتهم من بعيد، وأعطاه روح الفكاهة وحلاوة الأسلوب، والابتكار في العرض والقدرة على الإقناع والمرونة في الإفتاء فوصل إلى قلوب الكثيرين""
كنت أود أن أكتب عن حب الطنطاوي لأمه، ودورها في صقل مواهبه والنهوض به، لكنني أجد كلماته تزاحم كلماتي وروعة أسلوبه تتفوق على أسلوبي، وحسه في إيصال المعنى أقرب وأبسط إليكم مني ففضلت أن أدعكم تقرؤون ما كتب عنها، ونبقى أنا وأنتم مع الكلمات نتأملها:
يقول الطنطاوي::"كان في دمشق من نحو أربعين سنة عالم جليل القدر، كريم اليد، موفور الرزق، داره مفتوحة للأقرباء والضيوف وطلبة العلم، وموائده ممدودة، لما ضاق الناس في الحرب العالمية الأولى، وسع الله بفضله عليه، فلم يعرف الضيق، وكان من ذوي المناصب الكبار، والمكانة في الناس."
ونشأ أولاده في هذا البيت، لا يعرفون ذل الحاجة، ولا لذعة الفقر، ولكنهم أصبحوا يومًا- من أيام سنة 1925 م-الولد الكبير البالغ من العمر ست عشرة سنة، وإخوة له تتراوح أعمارهم بين عشر وبين شهر، فإذا بالوالد قد توفي!
وارتفع الستر، فإذا بالتركة ديون للناس، فباعوا أثاث الدار كله ليوفوا الدين، ثم تركوا الدار الفسيحة في الصالحية، ونزلوا تحت الرصاص - وكانت أيام الثورة - يفتشون عن دار يستأجرونها .... أعني كوخًا ... زريبة بهائم، مخزن تبن في حارة الدعيجية، هل سمعت بها؟ في آخر العقيبة، قرب المكان الذي يسميه الناس من التوائه والضيق (محل ما ضيع القرد ابنه) هذا هو اسمه.
في غرفتين من اللبن والطين، في ظل دار عالية لأحد موسري الحارة، تحجب عن الغرفتين الشمس والضيا، فلا تراهما الشمس قط، ولا يستطيع أن يدخلهما الضوء، ليس فيهما ماء إلا ماء ساقية وسنحة عرضها شبران وعمقها أصبعان، تمشي مكشوفة من (تورا) في الصالحية إلى هذه الحارة، تتلقى في هذا الطريق الطويل كل ما يلقى فيها من الخيرات الحسان. وليس فيها نور إلا نور مصباح كاز، نمرة ثلاثة ... يضيء تارة (ويشحر) تارات ... والسقف من خشب عليه طين، إن مشت عليه هرة ارتج واضطرب، وإن نزلت عليه قطرة مطر وكف و (سرب) .