العاقبة للمتقين المتواضعين:
{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 82 - 88] .
قال ابن كثير في"تفسيره"معلقًا على هذه الآيات الأواخر من هذه السورة الكريمة ما نصه:"يخبر - تعالى - أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضِعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض؛ أي: ترفعًا على خلق الله، وتعاظمًا عليهم، وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم"، فالتواضع سمة مطلوبة لبلوغ أعلى الدرجات يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، بل إن القدر يومئذ يُقاس بالأخلاق الكريمة وعلى رأسها التواضع، هو خلّة تزين بها النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - ودعا أصحابه إليها.
نموذج من أهل الإيمان الصابرين المحتسِبين:
خبَّاب بن الأرتِّ - رضي الله عنه - نموذج من الرجال الذين صنعهم القائد الأعظم محمد - صلى الله عليه وسلم - فلقد صبر خبَّاب لموجة من العذاب ولم تُلِن له أيدي الكفار قناةً، فجعلوا يُلصِقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه، أجل كان حظ خبَّاب من العذاب كبيرًا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب.
لقد حوَّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبَّاب والذي كان يُصْنَع منه السيوف، حوَّلوه كلَّه إلى قيود وسلاسل كان يُحْمَى عليها في النار حتى تستعر وتتوهَّج، ثم يطوَّق بها جسده ويداه وقدماه.
مرَّ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، والحديد المحمَّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانًا وأسًى، ولكن ماذا يملك - عليه الصلاة والسلام - يومها لخبَّاب؟ لا شيء إلا أن يثبِّته ويدعو له.