و حدثت بعض المناوشات بين شباب الصحابة و الثوار فجرح خلالها بعض الصحابة أمثال الحسن بن علي و غيره، و هذا الخبر يؤيده ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 1387) ، و البخاري في التاريخ الكبير (7/ 237) ، عن كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب قال: شهدت مقتل عثمان، فأخرج من الدار أمامي أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان رضي الله عنه: الحسن بن علي، و عبد الله بن الزبير، و محمد بن حاطب، و مروان بن الحكم.
و تتضافر روايات ضعيفة للدلالة على أن عثمان و هو محصور في الدار بعث إلى علي يطلبه، و أن عليًا استجاب لأمره لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الدار التي كان العارضون يطوقونها، فقال علي للثّوار: يأيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين فلا تمنعوا عن هذا الرجل الماء و لا الطعام فإن الروم و فارس لتأسر و تطعم و تسقي، و لكن لم يستطع أن يفعل شيئًا، فحل عمامته السوداء التي كان يرتديها و رمى بها إلى رسول عثمان، فحملها الرسول إلى عثمان فعلم عثمان أن علي حاول المساعدة لكنه لم يستطع. مصنف ابن أبي شيبة (15/ 209) بسند منقطع، و طبقات ابن سعد (3/ 68 - 69) بسند منقطع، و سند آخر منقطع مع تدليس حبيب بن أبي ثابت، و الطبري (4/ 386) ، انظر: عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري (ص427) .
يوم الدار .. و استمر الحصار على عثمان رضي الله عنه أيامًا عديدة قدرها بعض المؤرخين بأنه من أواخر ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و كان خلالها في غاية الشجاعة و ضبط النفس رغم قسوة الظروف و رغم الحصار، و لطالما كان يطل على المحاصرين و يخطب فيهم و يذكرهم بمواقفه لعلهم يلينون، لكنهم لم يفعلوا.
و في يومٍ أشرف عثمان على القوم بعد أن طلبهم للاجتماع حول داره للحديث معهم، روى الترمذي، و النسائي من طريق ثمامة بن حَزْن القشيري قال: شهدت الدار حيث أشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله و الإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة و ليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي؟ قالوا: اللهم نعم. و زاد البخاري، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزته قالوا: اللهم نعم. و زاد الترمذي عن أبي إسحاق، هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم، و هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها؟ قالوا: نعم. و عند الدارقطني، و هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ابنتيه واحدة بعد أخرى رضي بي و رضي عني؟ قالوا: نعم. و عند الحاكم، قال لطلحة: أتذكر إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أن عثمان رفيقي في الجنة؟ قال: نعم. سنن الترمذي (5/ 627) و النسائي (6/ 233 - 236) و الدارقطني (4/ 197) و المستدرك (3/ 97) و الفتح (5/ 477 - 479) .
و قال أبو هريرة رضي الله عنه للذين حاصروا عثمان رضي الله عنه يوم الدار: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم تلقون بعدي فتنة و اختلافًا، أو قال: اختلافًا و فتنة، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ فقال: عليكم بالأمين و أصحابه، و هو يشير إلى عثمان بذلك. أنظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد (450 - 451) و قال المحقق إسناده صحيح.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: وددت أن عندي بعض أصحابي، قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال نعم. فجاء فخلا به، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، و وجه عثمان يتغير. أنظر: صحيح سنن ابن ماجة (1/ 25) و قال الألباني إسناده صحيح.
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد سأصبر عليه. قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليه فيما يكون من أمره. أنظر: كتاب السنة لابن أبي عاصم (2/ 561) و قال الألباني إسناده صحيح.
و كان أهل الفتنة أثناء حصارهم لعثمان في داره و منعه من الصلاة بالناس، هم الذين يصلون بهم، و كان الذي يصلي بالناس الغافقي بن حرب.
أخرج البخاري في صحيحه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن خيار: أنه دخل على عثمان و هو محصور فقال: إنك إمام عامة، و نزل بك ما نرى و يصلي لنا إمام فتنة و نتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، و إذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. البخاري مع الفتح (2/ 221) .