الصفحة 27 من 33

و الذي حصل أن أهل الفتنة أخذوا يتراسلون فيما بينهم، فلما رأوا أن عددهم قد كثر تواعدوا على أن يلتقوا عند المدينة في شوال من سنة (35هـ) في صفة الحجاج، فخرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء المقلّل يقول ستمائة و المكثر يقول ألف .. و لم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، و إنما خرجوا كالحجاج و معهم ابن السوداء .. و خرج أهل الكوفة في عدد كعدد أهل مصر، و كذا أهل البصرة، و لما اقتربوا من المدينة شرعوا في تنفيذ مرحلة أخرى من خطتهم، فقد اتفق أمرهم أن يبعثوا اثنين منهم ليطلعا على أخبار المدينة و يعرفا أحوال أهلها، ذهب الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم و عليًا و طلحة و الزبير، و قالا: إنما جئنا نستعفي عثمان من بعض عمالنا، و استأذنا لرفاقهم بالدخول، فأبى الصحابة، و قال علي رضي الله عنه: لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيض سيفرخ. الطبري (4/ 349 - 350) ، من طريق سيف بن عمر.

تظاهر القوم بالرجوع و هم يبطنون أمرًا لا يعلمه الناس، فوصلت الأنباء إلى أهل المدينة بانصراف أهل الفتنة فهدأ الناس، و في الليل فوجئ أهل المدينة بأهل الفتنة يدخلون المدينة من كل مكان فتجمعوا في الشوارع و هم يكبرون، فجاء علي بن أبي طالب و قال: ما شأنكم؟ لماذا عدتم؟ فرد عليه الغافقي بأن عثمان غدر بهم، قال كيف؟ قال: قبضنا على رسول و معه كتاب من عثمان يأمر فيه الأمراء بقتلنا، فقال علي لأهل الكوفة و البصرة: و كيف علمتم بما لقي أهل مصر و قد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا، هذا والله أمر أبرم بالمدينة، و كان أمر الكتاب الذي زوّر على لسان عثمان رضي الله عنه اتخذوه ذريعة ليستحلوا دمه و يحاصروه في داره إلى أن قتلوه رضي الله عنه. و فوق هذا كله فالثائرون يفصحون عن هدفهم ويقولون: ضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا و نحن نعتزله. الطبري (4/ 351) ، من طريق سيف بن عمر.

و علاوة على ذلك هناك ما يؤكد تزوير هذا الكتاب، إذ ليس هو الكتاب الوحيد الذي يزوّر على لسان الصحابة، فهذه عائشة رضي الله عنها، تُتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي و تقول: لا والذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون ما كتبت لهم سوادًا في بياض حتى جلست مجلسي هذا. البداية والنهاية (7/ 195) و انظر ما رواه الطبري من استنكار كبار الصحابة أنفسهم لهذه الكتب في أصح الروايات (4/ 355) .

و ما تلك اليد الخفية التي كانت تخط وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين، و تضع في سبيل ذلك الكتب على لسان الصحابة و تدبر مكيدة الكتاب المرسل إلى عامل عثمان على مصر، و تستغل الأمور لتقع الفتنة بالفعل إلا يد ذلك اليهودي الخبيث و أتباعه، فهم المحركون للفتنة.

حصار عثمان:

هنا استشار عثمان كبار الصحابة في أمر التخلي عن الخلافة لتهدأ الفتنة، و كان المغيرة بن الأخنس قد أشار عليه بالخلع لئلا يقتله الخارجون عليه، و قد سأل عثمان ابن عمر عن رأي المغيرة فنصحه بأن لا يخلع نفسه و قال له: فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو أميرهم قتلوه. طبقات ابن سعد (3/ 66) بإسناد صحيح و رجاله رجال الشيخين، و تاريخ خليفة (ص170) بإسناد حسن.

و هناك بعض الروايات تفيد أن عثمان رضي الله عنه أرسل إلى الأمصار يطلب منهم العون بعد أن اشتد عليه التضييق و الحصار، و هذا الخبر لا يصح منه شيء، لأن منهج عثمان رضي الله عنه كان الصبر و الكف عن القتال امتثالًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له، و ذلك لحديث عائشة رضي الله عنها كما عند ابن أبي عاصم في السنة (2/ 561) قالت: لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد سأصبر عليه، قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليه فيما يكون من أمره.

لهذا وضع مصلحة الرعية في المقام الأول، فعندما عرض عليه معاوية أن يبعث إليه بجيش يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياه قال رضي الله عنه: أنا لا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند يساكنهم، و أضيّق على أهل الهجرة و النصرة، فقال له معاوية: والله يا أمير المؤمنين لتغتالنّ أو لتغزينّ، فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل. الطبري (4/ 345) . و حوصر عثمان بعدها في داره.

يقول ابن خلدون: إن الأمر في أوله خلافة، و وازع كل أحد فيها من نفسه هو الدين و كانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة، فهذا عثمان لما حصر في داره جاءه الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و ابن جعفر و أمثالهم يريدون المدافعة عنه، فأبى و منع سلّ السيوف بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت