الصفحة 23 من 33

ابن حجر في التقريب (1/ 344) : (سيف ضعيف الحديث) . و يقول ابن حبان في المجروحين (1/ 345) : (سيف بن عمر الضبي الأسدي من أهل البصرة اتهم بالزندقة .. يروي الموضوعات عن الأثبات) .

هذا بالنسبة لسيف بن عمر و كونه محدثًا، لكن فما عساه يكون إخباريًا مؤرخًا؟!

هنا لا بد و قبل أن أذكر أقوال أهل العلم فيه أن أنبه أنه لا بد من التفريق بين رواية (الحديث) و رواية الأخبار الأخرى، فعلى الأولى تبنى الأحكام و تقام الحدود، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع، و من هنا تحرز العلماء -رحمهم الله - في شروط من تأخذ عنه الرواية، لكن يختلف الأمر بالنسبة لرواية الأخبار، فهي وإن كانت مهمة - لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة - إلا أنها لا تمحص كما يمحص الحديث، و من هنا فلا بد من مراعاة هذا القياس و تطبيقه على (سيف) بكونه محدثًا، و إخباريًا. راجع للأهمية كتاب: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة محمد أمحزون (1/ 82 - 143) فقد تحدث عن هذا الموضوع فأجاد.

نعود إلى كتب الرجال نفسها فنجد الآتي:-

يقول الذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 255) : (كان إخباريًا عارفًا) . و يقول ابن حجر في تقريب التهذيب (1/ 344) : (عمدة في التاريخ) . أما اتهام ابن حبان لسيف بالزندقة فيجيب عنه ابن حجر في التقريب (1/ 344) بقوله: (أفحش ابن حبان القول فيه) . ولا يصح اتهام سيف بالزندقة دون دليل، إذ بكيف نفسر رواياته في الفتنة و حديثه عما جرى بين الصحابة، فأسلوبه الذي روى به تلك الأحداث أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة، و هو الذي فضح و هتك ستر الزنادقة أمثال ابن سبأ!!

و بعد هذا لا يشك أحد أن رواية سيف مرشحة على غيره من الإخباريين أمثال أبي مخنف و الواقدي وابن الكلبي، و غيرهم الكثير، فإن روايات سيف تتفق و تنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات، علاوة على أنها صادرة و مأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريبًا منها. للمزيد حول هذا الموضوع راجع كتاب: استشهاد عثمان و وقعة الجمل رواية سيف بن عمر، للدكتور خالد بن محمد الغيث (ص 19 - 40) ، و عبد الله بن سبأ و أثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور: سليمان العودة (ص 104 - 110) .

ثالثًا: قالوا: لم يكن لابن سبأ وجود، و إنما هو في الحقيقة شخصية رمزت لعمار بن ياسر، ثم ساقوا عدد من الدعائم التي تؤيد هذا القول، منها:-

1 -كان ابن سبأ يعرف بابن السوداء، و عمار كان يكنى بابن السوداء أيضًا.

2 -كلاهما من أب يماني، و ينسبون إلى سبأ بن يشجب أصل أهل اليمن.

3 -كلاهما كان شديد الحب لعلي، و من محرضي الناس على بيعته.

4 -ذهاب عمار إلى مصر أيام عثمان و أخذ يحرض الناس على عثمان، و مثل هذا ينسب إلى ابن سبأ.

5 -ينسب إلى ابن سبأ القول بأن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، و أن صاحبها الشرعي هو علي، و هذا نفسه كان يقول به عمار.

6 -و يشترك الاثنان في عرقلة مساعي الصلح في معركة الجمل.

7 -قالوا عن ابن سبأ أنه هو المحرك لأبي ذر في دعوته الاشتراكية! و صلة عمار بأبي ذر وثيقة جدًا.

الرد: هذا الرأي الذي خلصوا إليه، إنما يدل على جهل صاحبه، و هذا الرأي ترده كتب الجرح والتعديل و كتب الرجال الموثقة عند الشيعة، فهي تذكر عمار بن ياسر ضمن أصحاب علي والرواة عنه، و هو أحد الأركان الأربعة عندهم، ثم هي تذكر في موضع آخر ترجمة عبد الله بن سبأ في معرض السب واللعنة. أنظر: رجال الطوسي (ص 46، 51) و رجال الحلي (ص 255، 469) . فهل يمكن اعتبار الرجلين شخصية واحدة بعد ذلك؟!

كما وأن عوامل توافق الشخصيتين ذهاب كل منهما إلى مصر زمن عثمان، فإن استقراء النصوص ومعرفة تاريخها يعطي مفهومًا غير الذي فهمه النافين لوجود ابن سبأ، و بالتالي ينتصب هذا العامل دليلًا على استقلال كل من الشخصيتين، فعمار إنما بعثه عثمان إلى مصر سنة (35هـ) ، بينما كان ظهور ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت