قال له: (ألا تعجب إلى معاوية! يقول المال مال الله، كأنه يريد أن يحتجزه لنفسه دون المسلمين؟ وأن أبا ذر ذهب إلى معاوية وأنكر عليه ذلك) . تاريخ الطبري (4/ 283) .
بينما يفهم من النص الآخر: أن ابن سبأ لم يكن له دور يذكر في الشام، وإنما أخرجه أهلها حتى أتى مصر، بقوله: (أنه لم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام) تاريخ الطبري (4/ 340) .
و يمكننا الجمع بين النصين في كون ابن سبأ دخل الشام مرتين، كانت الأولى سنة (30هـ) ، و هي التي التقى فيها بأبي ذر، و كانت الثانية بعد إخراجه من الكوفة سنة (33هـ) ، و هي التي لم يستطع التأثير فيها مطلقًا، و لعلها هي المعنية بالنص الثاني عند الطبري.
كما و يمكننا الجمع أيضًا بين كون ابن سبأ قد التقى بأبي ذر سنة (30هـ) ، و لكن لم يكن هو الذي أثر عليه و هيجه على معاوية، و يرجح هذا ما يلي:-
1 -لم تكن مواجهة أبي ذر رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه وحده بهذه الآراء، و إنما كان ينكر على كل من يقتني مالًا من الأغنياء، و يمنع أن يدخر فوق القوت متأولًا قول الله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة 34]
2 -حينما أرسل معاوية إلى عثمان رضي الله عنه يشكو إليه أمر أبي ذر، لم تكن منه إشارة إلى تأثير ابن سبأ عليه، و اكتفى بقوله: (إن أبا ذر قد أعضل بي و قد كان من أمره كيت و كيت .. ) . الطبري (4/ 283) .
3 -ذكر ابن كثير في البداية (7/ 170، 180) الخلاف بين أبي ذر ومعاوية بالشام في أكثر من موضع في كتابه السابق، و لم يرد ذكر ابن سبأ في واحد منها، و إنما ذكر تأول أبي ذر للآية السابقة.
4 -ورد في صحيح البخاري (2/ 111) الحديث الذي يشير إلى أصل الخلاف بين أبي ذر و معاوية، و ليس فيه أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى ابن سبأ، فعن زيد بن وهب قال: (مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا و فيهم، فكان بيني و بينه في ذلك، و كتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل .. ) .
5 -و في أشهر الكتب التي ترجمت للصحابة، أوردت المحاورة التي دارت بين معاوية وأبي ذر ثم نزوله الربذة، و لكن شيئًا من تأثير ابن سبأ على أبي ذر لا يذكر. الاستيعاب لابن عبد البر (1/ 214) و أسد الغابة لابن الأثير (1/ 357) والإصابة لابن حجر (4/ 62) .
6 -وأخيرًا فإنه يبقى في النفس شيء من تلك الحادثة؛ إذ كيف يستطيع يهودي خبيث حتى و لو تستر بالإسلام أن يؤثر على صحابي جليل كان له من فضل الصحبة ما هو مشهود.
ظهور ابن سبأ في مصر:-
على ضوء استقراء النصوص السابقة، يكون ظهور ابن سبأ في مصر بعد خروجه من الكوفة، و إذا كان ظهوره في البصرة سنة (33هـ) ، ثم أخرج منها إلى الكوفة، و من الكوفة استقر بمصر، فإن أقرب توقيت لظهور ابن سبأ في مصر يكون في سنة (34هـ) ، لأن دخوله البصرة و طرحه لأفكاره فيها و تعريجه على الكوفة ثم طرده منها، واتجاهه بعد ذلك إلى مصر .. كل هذا يحتاج إلى سنة على الأقل، و يؤكد هذا ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 284) ، فيضع ظهور ابن سبأ في مصر ضمن أحداث سنة (34هـ) ، و تابعه في ذلك السيوطي أيضًا في حسن المحاضرة (2/ 164) ، حيث أشار إلى دخول ابن سبأ مصر في هذا التاريخ.
عبد الله بن سبأ حقيقة أم خيال؟