المقاييس الأخلاقية والقيم العامة والتقاليد المتبعة تنحني أمام تيارات جديدة أو تصطدم بها، وحين تعددت المنابع الثقافية وتباينت مستوياتها» [1] .
لقد ظهر كل ذلك في عصر الأصمعي، لكنَّ التصاقَه بالرواية واللغة ذلك الالتصاق الشديد لم يسمح له أن يراها بوُضوحٍ أو أن يتمثلها؛ فمع كونه بداية النَّقد المنظم، لأنه أحس ببعض المفارقة التي أخذت تبدو في أفق الحياة الشعرية [2] ، إلاَّ أنه ظلَّ وجيله من النُّقَّاد مُتشبِّثين بالمقاييس القديمة في تقويم الشعراء، ومنها مقياس (الفحولة) ؛ والذي يرى (إحسان عباس) اعتماده مقياسًا واحدًا «للتَّمييز بين مختلف ألوان الشعر يُعَدُّ خطرا على النقد وعلى التذوق معا، ولابد من أن يضيق به الدارسون ذرعا، حتى هؤلاء الرواة أنفسهم لن يحسنوا الصبر على لون واحد فيما يرونه؛ إذ ما أسرع ما يحدث تضييق المقاييس تقلُّبًا في الذوق بين الحين والحين، فكيف إذا كان المعتمد مقياسا واحدا؟!» [3] .
والحقيقة أن (الفحولة) لم تكن المعيار الوحيد للحكم على الشعراء، وإنما كانت معيارا للحكم على النُّخبة منهم، والنَّاظر فيما أصدره الأصمعي من أحكام على الشعراء، يرى أنَّه حكم بشاعريَّة العشرات ممَّن لم يرتضهم فحولًا؛ فعروة بن الورد عنده: «شاعر كريم، وليس بفحل» [4] ، و «الراعي أشبه شعرًا بالقديم وبالأول» [5] ، و خُفاف بن ندبة
(1) نفسه.
(2) نفسه.
(3) نفسه. ص 53.
(4) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 12.
(5) نفسه.