فالفحل الجاهلي كان يُعنى بهذه الأغراض الخمسة: الوصف، والغزل، والهجاء، والمديح، والفخر. فمتى ما جرى العُدول عَن سَنن هؤلاء الفحول، قدح ذلك في شعر الشاعر؛ يقول الأصمعي: «كانت الرواة لا تروي شعر أبي دُؤاد ولا عدي بن زيد، لمُخالفتها مذاهب الشعراء» ؛ فجعل علة هجران شعر هذين الرجلين مخالفتهما مسلك الشعراء قبلهما، ويقول أيضا: «ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلمَّا دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحمزة وجعفر عليهما السلام وغيرهم، لان شعره» [1] .
و (الشر) و (الخير) في منهج الأصمعي معادلان لمصطلحي (التحرر) و (الالتزام) ؛ فالتزام الشاعر بموقف أخلاقي أو فكري التزاما عنيفا، كفيلٌ بحجبه عن ارتياد الآفاق التي حدد الفحول معالمها خلال جهدهم الإبداعي غير المطوع لأي ضرب من ضروب الالتزام العنيف.
ومادام (التحرر) هو الطابع العام لشعر الفحول من الجاهليين، فإن على النقد أن ينظر بحذر إلى الملتزمين كعروة بن الورد الذي يقول عنه الأصمعي: «شاعر كريم، وليس بفحل» [2] ، وكذلك حاتم الطائي الذي هو عنده: «إنما يعد بكرم، ولم يقل إنه فحل» [3] ، أو الذين تحدَّدت آفاق نتاجهم بوجه مُقَيَّدٍ كلَبيد، الذي يقول فيه: «كان رجلا صالحًا»
(1) نفسه.
(2) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 12.
(3) نفسه. ص 14.