-وقوله:"والشريعة كلها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم" [1] .
نماذج من الآراء والفتاوى المبنية على مراعاة الحاجة
عند مطالعة فروع الفقه سنجد كثيرًا من الآراء والاختيارات المبنية على مراعاة حاجات الناس، ومن هذه الآراء:
1 -جواز تخصيص بعض الأولاد بعطية:
روى البخاري عن النعمان بن بشير أنه قال:"تصدق علىَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليشهده على صدقته، فقال:"أكل ولدك أعطيت مثله؟"قال: لا. قال:"فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" [2] ."
فهذا الحديث يدل على عدم جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية، ويفرض على الوالد أن يسوي بين أولاده.
هذا، وقد ذهب الإمام أحمد- رحمه الله - وغيره من العلماء - إلى جواز أن يخص الشخص أحد أولاده بعطية لحاجة معتبرة أو مصلحة شرعية
يقول ابن قدامة:"فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانةٍ، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به، إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة" [3] .
2 -إجارة الفحل للضراب:
عن ابن عمر رضى الله عنه"أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل" [4] . وعن جابر قال:"نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيع ضراب الفحل" [5]
وعسب الفحل ضرابه، وبيعه أخذ عوضه [6] . وقد أخذ بعموم الحديثين الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وقالوا بعدم جواز إجارة الفحل للضراب [7] .
وقد حكي عن الإمام مالك جوازه [8] . وقال بجوازه أيضًا الإمامان ابن عقيل والخطابي من شيوخ الحنابلة، مراعاة لحاجة الناس، إلى هذه المعاملة
(1) القواعد النورانية ص 155.
(2) أخرجه البخاري (كتاب الهبة - باب الإشهاد في الهبة) ، ومسلم (كتاب الهبات - باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة)
(3) المغنى 8/ 258، وانظر كشاف القناع 4/ 285.
(4) رواه البخاري (كتاب الإجازة - باب عسب الفحل) .
(5) رواه مسلم (كتاب المساقاة - باب تحريم بيع فضل الماء) .
(6) المغنى 6/ 302.
(7) السابق 6/ 302، وانظر: مختصر القدوري ص 104، وروضة الطالبين 3/ 395.
(8) المدونة 3/ 401.