ولأن المصالح المترتبة على الفروض والواجبات، أكثر وأهم بكثير من المصالح المترتبة على النوافل، ولأن من ترك الفرائض يأثم، ولا أثم في ترك النوافل.
وفقه الأولويات يقتضي منا أن نقدم الفروض والواجبات على السنن والمستحبات، وأن نقدم الفروض الأكثر تأكيدًا على غيرها، فمثلًا في العبادات نجد أن الصلاة هي آكد الفروض ومن أعظم حقوق الله علينا، فقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم تركها كفرًا حيث قال:"العهد الذي بيننا و بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر". [1]
وذكر أنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة فقال:"أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر". [2]
ثم تأتي بعدها الزكاة في الأهمية، فقد قرن الله بينها وبين الصلاة في القرآن في ثمانية وعشرين موضعًا، وقاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من امتنع عن آدائها.
وفى المعاملات وحقوق العباد نجد أن أولى الفروض هو حفظ الدماء ثم الأعراض والأموال، فقد قال (صلى الله عليه وسلم) :"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". [3]
وقال أيضًا:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه". [4]
وينبغي أن نتساهل في السنن والنوافل ما لا نتساهل فيه في الفروض والواجبات، وهذا هو مسلك الشرع الحنيف، فإننا نجده يبيح في النافلة ما لا يبيحه في الفرض، فيجوز صلاة النافلة على الدابة، ولا يجوز ذلك في الفريضة، والقيام ركن في الفريضة وليس ركنًا ولا فرضًا في النافلة، ويشترط تحديد النية من الليل في صيام الفريضة وأما صيام التطوع فيجوز فيه عقد النيه بعد الفجر وأثناء النهار.
إذًا من الخطأ الكبير اشتغال بعض الناس بالسنن والنوافل وإهمال الفرائض والواجبات، كما نلاحظ كثيرًا من المتدينين يكثرون من النوافل، ويهملون كثيرًا من الفرائض، وخاصة الفرائض الاجتماعية، مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجار ونصرة المظلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومثل ذلك أيضًا ما ذكره الشيخ القرضاوي-حفظه الله- في كتابه القيم (فقه الأولويات) : أننا نرى من المتدينين من يقوم الليل ثم يذهب إلى عمله الذي يتقاضى عليه أجرًا متعبًا، فلا يقوم بواجبه كما ينبغي، ولو علم أن إحسان العمل فريضة"إن الله كتب الإحسان على كل شيء" [5] وأن التفريط فيه خيانة للأمانة، وأكل للمال - آخر الشهر - بالباطل، لوفر على نفسه قيام ليله؛ لأنه ليس أكثر من نفل، لم يلزمه الله به ورسوله"."
(1) رواه الترمذى (كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة) ، والنسائى في (الصلاة الأولى - باب الحكم في ترك الصلاة) .
(2) أخرجه الترمذى في كتاب (الصلاة - باب أول ما يحاسب به العبد ... ) والنسائى في (كتاب الصلاة - باب المحاسبة على الصلاة) .
(3) أخرجه البخارى في (كتاب الرقاق - باب القصاص يوم القيامة) ، ومسلم في (كتاب القسامة - باب المجازاة) .
(4) رواه مسلم (كتاب البر والصلة - باب تحريم ظلم المسلم وخذله) والبيهقى في الكبرى 6/ 92.
(5) صحيح مسلم (كتاب الصيد والذبائح - باب الأمر بإحسان الذبح والقتل) .