لقد قتل ملايين من الأبرياء، دون أن تهتز شعرة في جسم من قتلوهم، كما نُهِب عشرات الملايين من البشر، وجردوا مما يملكون، ونفوا عن بلادهم، واستعبدوا، ولقد لقوا هذا المصير على أيدى مسيحيين، انحدروا من أصلاب أسر مسيحية، انتسبت منذ قرون، إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، أو إلى الكنيسة الشرقية البروتستانية. لكن الإسلام أعلى من شأن العلم والعلماء، وحفظ كرامة الإنسان من أن تهان، ورغب المسلم في الحفاظ على غيره كحفاظه على نفسه. [1]
وفي رأينا أن العلاقة الأوفق بين الدين والسياسة في الإسلام ليس هو الفصل القاطع، وليس هو الوصل والدمج التامين، بل هو وصل مع تمييز وتمايز، ونحن هنا نستعمل عبارة شهاب الدين القرافي التي دافع عنها في كتابه:"الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام"، بالتمييز بين تصرفات الرسول بوصفه نبيا، وبين تصرفاته بوصفه رئيسا للدولة.
والسبب في ذلك هو أنه لا يمكن إقرار فصل تام بين الدين والسياسة في أي مجتمع من المجتمعات، لأن الدين حاضر لدى الفرد المنتمي إلى المجتمع -سواء كان مسلما أو غير مسلم، متدينا أو غير متدين- حاضر في لا وعيه وفي ثقافته التي تشربها، كما أن الدين -أي دين- يطرح منظومة قيمية ومعيارية ويوجه للأهداف العليا التي يريد أن تسود الحياة وتوجه مسيرة الحضارة، مثل العدل والحرية والمساواة والشفافية والشورى وتكريم الإنسان وغيرها، وما ينتظره الدين من الناس المؤمنين به هو أن تنعكس هذه القيم المعيارية في علاقاتهم الدنيوية وفي عملهم السياسي، وبالتالي فإن الدين حاضر في السياسة كمبادئ موجهة، وروح دافقة دافعة، وقوة للأمة جامعة، لكن الممارسة السياسية مستقلة عن أي سلطة باسم الدين أو سلطة دينية.
إن تبني التمييز بين الدين والسياسة لا الفصل التام ولا الوصل إلى حد التماهي، هو الذي سيمنع من التنكر للإنجازات التي حققتها البشرية في مجال الفكر السياسي، ويمكن من الاستفادة من تطوراته، ويفسح المجال في نفس الوقت ليكون الدين معينا للقيم الأخلاقية والفكرية، بحيث يتم استصحاب هذه القيم في الممارسة السياسية استصحابا يثريها بالمعاني الإنسانية السامية، كما يمكن أن يبقى الدين -كما كان باستمرار طيلة تاريخنا القديم والحديث- محفزا للإصلاح السياسي، ومعالجة الظواهر السلبية في الحياة الإنسانية. [2]
(1) - المرجع السابق.
(2) - الدين والسياسة تمييز لا فصل د/ سعد الدين العثماني إسلام أو لاين 8/ 1/2008.