الصفحة 20 من 24

وهكذا نستطيع أن نتلمس جذور العلمانية - في مفهومها البدائي الساعي إلى الفصل التام بين ما هو روحي وما هو زمني - أكثر قوة داخل التفسير البوليصي للديانة المسيحية؛ ولهذا يصدق عندنا قول بعض الباحثين: إن العلمانية لا تجد جذورها في أفكار السيد المسيح عليه السلام متى ثبتت لنا موثوقيتها، وإنما تجد جذورها في التفسيرات اللاحقة لهذه الأفكار [1] ، ونحن هنا نزعم أن بولص واضع تلك الجذور، وهذا ما سنوضحه أكثر في السطور القادمة.

وبعد: فهذا هو بولص كما قرأناه بعد أن وجدناه متواريًا داخل صفحات"عهدهم الجديد"، أما بولص في عيون الباحثين الغربيين الأحرار فهو غير ذلك، إنما هو وثني استطاع أن يغرق تابعيه في بحر من الوثنية اللاعقلانية باسم يسوع ابن الله، فانظر ماذا يقولون عنه!

بولص في نظر الباحثين الغربين:

يقول Gerald L، Berry في كتابه Religion of the World:

لم ينفِر بولص من الطقوس الوثنية، بل على العكس اقتبس كثيرًا من هذه الطقوس ليضمن نشر ديانته بين الوثنين دون أن ينفِروا منها، وليحمي ديانته من الذوبان في الديانة اليهودية، ومن الصور التي حقق بها هذا الغرض أن جعل عطلة الأسبوع يوم الأحد، متبعًا بذلك تقاليد متراس، وأهمل يوم السبت، وهو اليوم المقدس عند اليهود، واقتبس من الوثنيات أعياد رأس السنة، وعيد القيامة، وعيد التعميد.

أما"ويلز"الذي ينعته بـ: (المعلم العظيم الذي توَّجه ثقاة العصر مؤسسًا حقيقًا للمسيحية) [2] ، يصفه كذلك بأنه (كان متبحرًا في لاهوتيات الإسكندرية، وكان يجيد لغتها الإغريقية) ، ثم ينقل ويلز قول البروفسور"جلبرت"الذي يقول عن بولص: إنه (كان يظهر تأثرًا بالنقاش الفلسفي للمدارس المهلنة، وبمبدأ الرواقية Stoicism) ، ويؤكد ويلز أن بولص (كان صاحب نظرية دينية قبل أن يسمع بيسوع الناصري!) .

(1) - ذهب إلى ذلك بروفسر العطاس في p.20 Islam and Secularism، كما ذهب بروفسر التجاني عبدالقادر في كتابة: أصول الفكر السياسي في القرآن المكي.

(2) - ويلز معالم تاريخ الإنسانية، ص 560.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت