ويقول فولتير عن هذه المصادر: (الأناجيل ليست متكاملة فيما بينها، بل تتناقض وتتعارض، ولا تجد فيها نفس الإنسان، ولا نفس المعجزات، ولا ذات الأقوال، ولا ذات الأفعال) [1] .
ويقول الدكتور غوستاف لبون:
"... وعلى ما تراه من معرفتنا بما فيه الكفاية لحياة كثير من مؤسسي الأديان، كحياة محمد مثلًا، نرى حياة مؤسس المسيحية مجهولة تقريبًا، ولا تبحث عن حياته في الأناجيل كما بحث من قبل ذلك زمنًا طويلًا، وكما عَدَلَ العلم عن اعتقاد إمكانها في الوقت الحاضر، فهذه الأناجيل وأقدمها إنجيل مرقس الذي كتب بعد وفاة يسوع بنصف قرن على الأقل، هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة، التي بسطها خيال مؤلفيها، أما رسائل القديس بولص فهي أقل الوثائق عدم صحة في تمثل أزمنة المسيحية الأولى، وبولص طالما أنه لم يلتقِ بيسوع لن يستطيع أن يتكلم عنه إلا سيرًا مع"العنعنات"والخيال [2] ."
وهكذا تصبح المشكلة في المقام الأول هي مشكلة المصادر التي تناولت شخصية المسيح؛ فقد جاء في كتاب"حول موثوقية الأناجيل والتوراة".
ومع أن هذه الأناجيل أربعة في العدد، وكتبت بأقلام مختلفة، ومن وجهات نظر متباينة، ومع أنها ركزت على حياة المسيح بالدرجة الأولى، فإنها لم تقدم لنا صورة وافية مفصلة عن شخصية المسيح وعن سيرة حياته التي يقدر أنها دامت ثلاثة وثلاثين عامًا، فلم تحدثنا عن هيئته، ولا تفصيلات عن علاقته بأمه وأبيه بالتبني"يوسف"، ولا عن علاقته بأقاربه، ولا تخبرنا شيئًا عن حياته الجنسية، ولا تحدثنا بالتفصيل عن كيف قضى ثلاثين سنة من عمره قبل بدء دعوته، ولا تعطينا صورة عن تصوراته الدينية قبل بعثته، ولا تقدم لنا أي نص يتحدث عن حياة المسيح بين الثانية عشرة والثلاثين من عمره [3] .
أما"ويلز"- الذي يبدو عليه الاعتدال - فقد وصف هذه المصادر بأنها كانت"سجلًّا مرقَّعًا غير متوازن"، وهو لم يذهب مذهب الذين أنكروا ظاهرة المسيح؛ إذ أثبت أن القصة صحيحة في جوهرها وتاريخيتها، ولم تكن من نسج الخيال، ولكنه ذهب إلى القول: كما أن شخصية
(1) - نقلًا عن تيارات الفكر المعاصر، أندريه كارسون ص 147.
(2) - حياة الحقائق ص 62.
(3) - محمد السعدي، حول موثوقية الأناجيل، ص 13.