التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه ثوابت، ويغتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد. هذا يقتضي محورة فكر صاحب النص (مؤلف، فرقة، تيار. . .) حول إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكر صاحب النص، بحيث تجد كل فكرة من أفكاره مكانها الطبيعي (أي المبرر أو القابل للتبرير) داخل الكل. إن القاعدة الذهبية في هذه الخطوة الأولى هي تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ (الألفاظ كعناصر في شبكة من العلاقات، وليس كمفردات مستقلة بمعناها) . يجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة. يجب وضع كل ذلك بين قوسين، والانصراف إلى مهمة واحدة هي استخلاص معنى النص من النص نفسه. أي: من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه." [1] "
أما الخطوة الثانية من المنهجية في التعامل مع التراث، فتستند إلى قراءة فكر صاحب النص قراءة تاريخية، تتكئ على استقراء الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في فهم أطروحاته وتفسيرها. إن:"هذا الربط - يقول الجابري- ضروري من ناحيتين: ضروري لفهم تاريخية الفكر المدروس وجينيالوجياه، وضروري لاختبار صحة النموذج (البنيوي) الذي قدمته المعالجة السابقة. والمقصود بالصحة هنا ليس الصدق المنطقي، فذلك ما يجب الحرص عليه في المعالجة البنيوية، بل المقصود الإمكان التاريخي: الإمكان الذي يجعلنا نتعرف على ما يمكن أن يقوله النص، وما لا يمكن أن يقوله، وما كان يمكن أن يقوله، ولكن سكت عنه." [2]
أما القراءة الثالثة من خطوات منهجية الجابري، فهي خطوة الطرح الإيديولوجي، بمعنى البحث عن الوظيفة أو الوظائف الأيديولوجية التي يؤديها الفكر المعني داخل سياقه الدلالي والتاريخي والمرجعي، أو داخل المنظومة المعرفية التي يشتغل فيها صاحب النص.
(1) - د. محمد عابد الجابري: نفسه، ص:85.
(2) - د. محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.