?واعلم أنهم قالوا له: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} ، ولم يقولوا له: {أدِينُكَ يَأْمُرُكَ} ، لأنّ الصلاة كانت مِن عِماد الشرائع كلّها، وكان المُكذبون في كل أُمَّةٍ يُنكرونها ويَستهزئون بفاعلها، فلَمَّا كانت الصلاة هي الأمر الظاهر مِن دينه، ورأوه يُداوم على فِعلها، جعلوها هي التي تأمره بالإنكار عليهم.
الآية 88: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي على يَقينٍ وطُمأنينة مِمّا أوحاه إليَّ ربي وأمَرني أن أدعوكم إليه، وهو أن تعبدوه وحده لا شريك له - لأنه الخالق الرازق المُستحق وحده للعبادة - وأن تنتهوا عن الغش في الميزان، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} أي رزقًًا حلالًا طيبًا، فأخبِروني إذًا: هل يَليقُ بي أنْ أُنكِر هذا الحق والخير وأتَّبعكم على باطلكم؟! لا يكونُ ذلك أبدًا.
?وقد قيل: إنّ المُراد بالرزق الحَسَن هنا هو نعمة النُبُوّة والرسالة، وإنّما عَبّرَ عنها بالرزق ليُشابه قولهم: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) ، لأنّ الأموال رِزق، والنُبُوة والهداية أيضًا رِزق، واللهُ أعلم.
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يعني: وما أريد أن أرتكب أمرًا نَهيتكم عنه، بل إنني سأكونُ أوّل مَن يَتركه، لأكون قدوةً لكم، {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} يعني: وما أريد بدعوتي لكم إلا إصلاحكم قَدْر استطاعتي، {وَمَا تَوْفِيقِي} - في محاولة إصلاحكم - {إِلَّا بِاللَّهِ} (لا بِحَولي وقوتي) ، فإني {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه وحده اعتمدتُ في الثبات على دينه الحق، وفي حمايتي مِن كَيدكم، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} يعني: وإليه أرجع في كل أموري.
الآية 89: {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} : أي لا تَحمِلنَّكم عداوتكم لي على العناد والإصرار على ما أنتم عليه {أَنْ يُصِيبَكُمْ} أي حتى لا يُصيبكم {مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} من الهلاك، {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} : يعني وما قومُ لوطٍ - وما نَزَلَ بهم من العذاب - ببَعِيدِين عنكم لا في المكان ولا في الزمان.
الآية 90، والآية 91: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} نادمينَ على ما فعلتم، مُعترفين بخطئكم، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} من الشرك والمعاصي وارجعوا إليه بالإيمان والطاعة، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} أي كثير المَوَدَّة والمَحبة لمن تاب إليه، فيَرحمه ويَقبل توبته، (واعلم أنّ معنى اسم الله تعالى"الودود": أنه سبحانه يُحب عباده المؤمنين ويُحبونه) .
?فلَمَّا تضايقوا من نصائحه ومَواعظه لهم {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} أي لا نفهم {كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} (وذلك لأنهم كرهوا مَا جاءهم به، لأنه يُخالف أهوائهم) ، {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي لستَ من الكُبَراء ولا من الرؤساء، {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} : يعني ولولا مُراعاة عشيرتك لقتلناك رَجْمًا بالحجارة - وكانت عشيرته مِن أهل مِلَّتِهم -، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} : يعني وليس لك قَدْرٌ واحترامٌ في نفوسنا.