لعبادة ربها، {شَرْقِيًّا} أي شرق الدار التي بها أهلها (أو شرق بيت المَقدس) ، {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} : أي فجعلتْ لها ساترًا يَسترها عن أهلها وعن الناس، {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} : أي فأرسلنا إليها الملَك جبريل (الذي قال اللهُ عنه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} ) {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} : أي فتمثَّل لها جبريل في صورة إنسان تامّ الخَلْق (حتى لا تَفزع منه إذا ظَهَرَ لها بصورةٍ أخرى) .
-الآية 18: {قَالَتْ} له مريم: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ} : يعني إني أحتمي بالرحمن - الذي يَرحم الضَعيفات مِثلي - مِن أن تصيبني بسوء {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} : يعني إن كنتَ مؤمنًا تتقي اللهَ تعالى.
-الآية 19: {قَالَ} لها جبريل عليه السلام: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} وقد بَعَثني إليك {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} أي ولدًا طاهرًا، لا يَتلوث بذنبٍ قَطّ طُوالَ حياته.
-الآية 20: {قَالَتْ} له مريم: {أَنَّى} يعني كيفَ {يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} بنكاحٍ حلال، {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} يعني ولم أكُن زانية؟!
-الآية 21، والآية 22، والآية 23: {قَالَ} لها جبريل عليه السلام: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} : أي هكذا الأمر كما تَصِفين - مِن أنه لم يَمْسَسكِ بشر، ولم تكوني زانية - ولكنّ ربك قال: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} يعني: خَلْقُ هذا الغلام مِن غير أب هو أمْرٌ يسيرٌ عليَّ، {وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ} يَستَدِلُّوا بها على قدرة اللهِ تعالى، {وَرَحْمَةً مِنَّا} بمن آمَنَ به واتَّبَعَ ما جاءَ به من التوحيد والاستقامة، {وَكَانَ} وجود عيسى على هذه الحالة {أَمْرًا مَقْضِيًّا} : أي قضاءً مُقدَّرًا، لابد مِن نفوذه.
? فنَفخ جبريل في جَيْب ثيابها - وهو المكان الذي عند الرقبة - فوصلتْ النفخة إلى رَحِمِها {فَحَمَلَتْهُ} : أي فحملتْ مريم بالغلام {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} : أي فتباعدتْ به إلى مكان بعيد عن الناس (خوفًا من اتِّهامها بالزنا) ، {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} : أي فألجأها طَلْقُ الحمل، واضطَّرها ألم الولادة {إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} لتعتمد عليه أثناء الولادة، فلمَّا وضعته: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} أي قبل هذا اليوم {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} أي شيئًا لا يُعْرَف ولا يُذْكَر، (وذلك لأنها خافت أن يَظُنّ الناسُ بها شرًّا) .
-الآية 24، والآية 25، والآية 26: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} - وفي أحد القِراءات: (فناداها مَن تَحتَها) أي الذي تحتها (وهو عيسى عليه السلام) ، حيثُ أنطقه اللهُ تعالى بعدما وضعته، ليُخَفِّف عنها حُزنها بسبب ولادتها وهي بِكْر، فناداها عليه السلام {أَلَّا تَحْزَنِي} ، وكذلك بَشَّرها وأرشدها قائلًا: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} أي جَعَلَ اللهُ تحتك نهرًا صغيرًا من الماء، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} : أي حَرِّكي جذع النخلة نَحْوَكِ: يَتَساقَطْ عليك رُطَب - أي"بلح"- قد طابَ وأصبح صالحًا للحصاد، {فَكُلِي} من الرُطَب، {وَاشْرَبِي} من الماء، {وَقَرِّي عَيْنًا} : أي اطمئني وافرحي بولدك، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} : يعني فإنْ رأيتِ أحدًا من الناس فسألك عن ولدك: {فَقُولِي} له -