الصفحة 7 من 22

لم يعد من المناسب - في الوقت الراهن - الحديث عن تقسيم أرض الله إلى دار إسلام ودار حرب، وما يترتب على هذا التقسيم من وجوب الهجرة أو جوازها؛ فالوجود الإسلامي خارج البلاد الإسلامية صار حقيقة واقعة ينبغي علاجها على ضوء هذا الواقع.

وإذا كان لنا أن نختار من تراثنا الفقهي - في هذا المقام - فإننا ننحاز إلى ما قرره الفقه الشافعي - في جملته - من أن المسلم:"إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول غيره في الإسلام" [1] .

غير أن الناظر في أحوال كثير من الجاليات المسلمة في الغرب يرى عجبًا؛ فكونهم من الأقليات التي لا تدين بعقيدة الأغلبية يحتم عليهم التمسك بقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] ، ولكنهم على العكس من ذلك، حملوا معهم خلافاتهم المذهبية والطائفية؛ {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون} [المؤمنون: 53] ، ويكفي أن أورد مثالًا واحدًا على ذلك: يتوزع المسلمون في كل بلد أوروبي وفي كل ولاية أمريكية حول دخول شهر رمضان - كل عام - إلى عدة اتجاهات، حتى إني رأيت في بيت واحد الصائمَ والمفطر، ومن يستقبل العيد ومن ينتظر، وهكذا في كثير من الأمور.

فلما أدركت حركات التبشير هذه الحقيقة، سارعت للإفادة منها، وكان بعض أفرادها يطرقون أبواب المسلمين كمندوبي المبيعات، يعرضون عليهم المطبوعات والتسجيلات، ويدعونهم لحضور الحفلات والندوات، ولا يملون من متابعة الكبار والصغار في البيت والمتجر والمدرسة والمنتزه، وبهذا يتعرض المسلمون لشحنات مركَّزة من الضغوط التي تشككهم في عقيدتهم وفي ممارساتهم اليومية، وفي تقاليدهم الموروثة.

والمجال لا يتسع لسرد الوقائع وما ترتب عليها من نتائج [2] ، ولكن يثار تساؤل حثيث عن كيفية مواجهة هذه السلبيات لتحصين المسلمين خارج البلاد الإسلامية.

والتحصين لا بد أن يأتي - في المقام الأول - من الداخل، بحيث تعي كل جماعة إسلامية أنها مستهدفة، وأن بقاءها والحفاظ على هُويتها الإسلامية وغرس مبادئ الإسلام في نفوس أبنائها، رهن بتماسك أفرادها واتحادهم مع إخوانهم الذين يعيشون معهم داخل هذا المجتمع، فإذا نجحوا في التجمع تحتَ رابطة موحدة، بذلوا كل جهد في اختيار من يمثِّلهم ويرعى شؤونهم من بين المؤمنين بوسطيَّة الإسلام، بعيدًا عن التشدد والتفريط، وعلى وعي ثقافي وفكري بخصوصيات الأقلية التي يمثلونها، وحاجاتهم الروحية والمادية، بحيث لا يقع أي نوع من

(1) ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج: 9/ 269، ابن حجر العسقلاني، فتح الباري: 7/ 230، بجيرمي على الخطيب: 4/ 220، الماوردي، الحاوي الكبير: 14/ 104، النووي، روضة الطالبين: 10/ 282.

(2) ينظر في ذلك: الكتاب القيم الذي وضعه الدكتور جمال الدين عطية بعنوان: نحو فقه جديد للأقليات، دار السلام، 1423 هـ - 2003 م، وكتاب الدكتور يوسف القرضاوي: في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، 1422 هـ - 2001 م، وكتاب: من فقه الأقليات المسلمة، لخالد محمد عبدالقادر، كتاب الأمة - قطر، العدد (61) ، رمضان 1418 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت